في 19 ماي 1956، كُتب التاريخ في الممرات الهادئة للكليات المهجورة. في ذلك اليوم، اتخذ مئات الطلاب الجزائريين الخيار الجذري بالتخلي عن دراستهم، ومستقبلهم المهني، ومستقبلهم الشخصي، للانضمام إلى كفاح التحرير الوطني. من هذا التحول الشجاع، انبثق نفس ثوري جديد، منح القضية الوطنية قوة استراتيجية وفكرية ودبلوماسية حاسمة. بعد مرور 69 عامًا، لا يزال هذا التاريخ مصدر إلهام لا ينضب لجميع أجيال الطلاب.
في أعقاب اندلاع الثورة، في 1 نوفمبر 1954، أدركت شريحة متزايدة من الشباب الجزائري أن المعرفة وحدها لم تعد كافية لمواجهة القمع الاستعماري. كان المناخ متوتراً. امتدت حرب الاستقلال في جميع أنحاء البلاد. والقمع الاستعماري يضرب بلا هوادة. في هذا السياق، بدأ الشباب الجامعي، في الجزائر وفي الجامعات الفرنسية، في التنظيم. في يوليو 1955، في مبادرة تاريخية، أسست مجموعة من الطلاب الاتحاد العام للطلاب المسلمين الجزائريين (UGEMA). ومن بينهم أسماء ستترك بصمتها في التاريخ: محمد صديق بن يحيى، وأحمد طالب الإبراهيمي، وعيسى مسعودي، وعبد الحميد مهري وغيرهم الكثير.
هدف اتحاد الطلاب إلى تأسيس حركة وطنية قادرة على الدفاع عن مصالح الطلاب، وربط المثقفين بقضايا أمتهم، ومواجهة الدعاية الاستعمارية التي زعمت أن الثورة الجزائرية ليست سوى نشاط عصابة من اللصوص.
في فجر عام 1956، سعى حزب جبهة التحرير الوطني إلى تعزيز جهازه الدبلوماسي والإعلامي والصحي. كانت الفصائل تفتقر إلى الأطباء والمحامين والمعلمين والكوادر القادرة على هيكلة دولة مستقلة في المستقبل. أدرك القادة الثوريون مثل عبان رمضان والعربي بن مهيدي وعمارة رشيد أنه قد حان الوقت لفتح جبهة جديدة، جبهة النخب المتدربة. جرت مناقشات في غاية السرية بين قادة الاتحاد العام للطلاب المسلمين الجزائريين ومبعوثي جبهة التحرير الوطني. سرعان ما ترسخت القناعة، يجب على الشباب المتعلم أن ينتقل من التضامن النظري إلى الالتزام الكامل.
الاستقلال دون قيد أو شرط
في مارس 1956، بدأت الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين نشاطها السياسي بتنظيم مؤتمرها الثاني في باريس. تُوج هذا المؤتمر بتبني قرارين: استقلال الجزائر دون قيد أو شرط، وفتح المفاوضات بين جبهة التحرير الوطني والسلطات الاستعمارية. أمام رفض السلطات الاستعمارية لهذين القرارين، أُعلن عن إضراب عام للطلاب في 19 يونيو 1956. بعد أشهر من التحضير، أطلق الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين شعارًا تاريخيًا. في بيان رسمي، أعلنت المنظمة أن “الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، المخلص لخط النضال من أجل التحرير، يدعو جميع الطلاب والتلاميذ إلى التوقف عن أنشطتهم المدرسية للانضمام إلى الكفاح. الساعة خطيرة. لم يعد هناك مكان للحياد. الشعب الجزائري بحاجة إلى جميع أبنائه”. وأكدت أن “ليس للطالب الجزائري واجب أقدس من أن يضع نفسه في خدمة شعبه ووطنه”.
أوضح الدكتور محمود آيت مدور، الأستاذ الباحث في التاريخ المعاصر، أن إضراب مايو 1956 سبقته العديد من المناقشات الداخلية والمشاورات ورغبة واضحة في توحيد المواقف. “لم تكن مجرد لفتة اندفاعية. بل كان قرارًا مدروسًا بعناية، مدفوعًا بمثال جماعي. كان الطلاب يعلمون أنهم يتخلون عن دراستهم، وعن وظيفة، وأحيانًا عن حياتهم، لكنهم اعتقدوا أن شرف الجزائر يأتي قبل كل شيء”.
لم يكن هذا الالتزام غير المشروط بالقضية الوطنية رمزيًا فحسب. بل كان له عواقب ملموسة. أفرغت الجامعات، وفقدت الكليات أفضل عناصرها، واكتسبت الثورة قوة حية قادرة على التنظيم والتفكير والنشر. انضم أطباء شباب ومحامون وصحفيون ومعلمون مستقبليون إلى صفوف جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني، وجلبوا معهم خبرة قيمة.
أكد الدكتور نور الدين زرقاوي، الأستاذ الباحث في التاريخ، من جانبه، أن “الثورة كانت بحاجة إلى جميع الكفاءات. لعب الطلاب دورًا في المستشفيات الميدانية، وخدمات الاتصال، والدبلوماسية الموازية. لقد سمحوا لجبهة التحرير الوطني بالتحدث بلغة حديثة، والوصول إلى الدوائر المغلقة حتى ذلك الحين، وبناء استراتيجية للشرعية على نطاق عالمي”.
في اليوم الذي التحقت فيه الجامعة بالثورة
في 19 ماي، تفرغ المدرجات في الجزائر العاصمة وقسنطينة ووهران وباريس وليون وبوردو ومونبلييه وتولوز. يتخلى المئات من الطلاب عن بطاقات تسجيلهم، ويرفضون الامتحانات وينضمون إلى صفوف جيش التحرير الوطني، أو يعملون لصالح جبهة التحرير الوطني في الخارج. هذا ليس مجرد إضراب، بل هو التزام ثوري حقيقي. نقطة اللاعودة.
هذه البادرة، ذات الأهمية غير المسبوقة، تعدل بعمق هيكل الحركة الوطنية. إنها تثبت أن الثورة ليست مجرد ثورة ريفية أو شعبية، ولكنها أيضًا فكرية، مدروسة، وحازمة. إنها تثبت أن الشباب الجزائري ليس سلبيًا، بل على العكس من ذلك، فهو فاعل وواع ومستعد للتخلي عن مساره الفردي لإعلاء شأن العدالة والحرية.
من بين هؤلاء الشباب، سيقع البعض في غياهب النسيان، بينما سيترك البعض الآخر بصمة دائمة على الجزائر المستقلة. سيصبح محمد الصديق بن يحيى فيما بعد وزيرًا ومفاوضًا خلال اتفاقيات الجزائر بشأن إيران. سيصبح أحمد طالب الإبراهيمي، الرئيس السابق للاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين والطالب المضرب، وزيرًا للتربية ثم وزيرًا للخارجية.
ينضم آخرون، مثل حسيبة بن بوعلي، إلى العمل السري في المناطق الحضرية. تشارك بنشاط، وهي بالكاد تبلغ من العمر 19 عامًا، في المقاومة في الجزائر العاصمة وتموت في انفجار مخبأ علي لابوانت، لتصبح أيقونة المناضلة الشابة التي ضحت بنفسها. تموت زميلتها مليكة قايد، وهي ممرضة مدربة، في عام 1957 في كمين أثناء تقديمها الرعاية للجرحى. الشاب الشهيد طالب عبد الرحمن، المشهور بكونه كيميائي الثورة المجيدة، والذي أعدم بالمقصلة فجر يوم 24 أبريل 1958، أرعب فرنسا الاستعمارية بعبقريته والتزامه الذي لا يتزعزع باستقلال الجزائر.
إن اختيار يوم 19 ماي 1956 ليس بلا ثمن. تستبعد السلطات الاستعمارية بشكل جماعي الطلاب المضربين من الكليات الفرنسية. يتم القبض على الكثيرين ومطاردتهم وتعذيبهم أو إجبارهم على العيش في الخفاء. التضحية كاملة. العديد من الذين ذهبوا كطلاب أصبحوا مقاتلين أو شهداء أو بناة للدولة ما بعد الاستعمار. لقد جسدوا جميعًا هذا الشباب المتعلم والوطني والمنخرط بعمق في الثورة الوطنية.
سلاح المعرفة، واستراتيجية القلم
لم يسلك جميع الطلاب طريق الكفاح المسلح. بل تم تكليف البعض بمهام دبلوماسية أو إعلامية. في تونس والقاهرة والرباط ودمشق، أصبحت الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين نوعًا من “الدبلوماسية الموازية” لجبهة التحرير الوطني. قام الطلاب بصياغة الكتيبات وإلقاء المحاضرات وتنبيه النقابات والجمعيات الطلابية في العالم إلى القمع الاستعماري.
قاموا بتنظيم جولات في الجامعات العربية والأفريقية، وأقاموا تحالفات قيمة، وأجبروا أنظار العالم على التوجه إلى الحرب في الجزائر. وبفضلهم، تغلغلت القضية الجزائرية في الدوائر الدبلوماسية الدولية. أصبحت المعرفة سلاحًا للنفوذ. وأصبح الكلام ذخيرة. وإدراكًا منهم أن قضية الاستقلال تُحسم أيضًا على ساحة الرأي العام الدولي، فقد خاض الطلاب الجزائريون معركة موازية لمعركة الكفاح المسلح، وهي معركة الصورة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وفضح الاستعمار.
في الجامعات الأوروبية، قاموا بتنظيم المؤتمرات والمنشورات والعرائض والاجتماعات مع المثقفين والبرلمانيين والصحفيين. ساهمت هذه الحرب الكلامية، حرب المفاهيم والروايات، في تحويل جزء من الرأي العام العالمي لصالح القضية الجزائرية.
في جنيف أو بروكسل أو روما أو القاهرة، تولت خلايا الطلاب مهمة الاتصال بالسفارات الصديقة، وأقامت شبكات دعم، وجمعت الأموال، وزودت وسائل الإعلام الأجنبية بالمعلومات. بالنسبة لجبهة التحرير الوطني، كان هذا الفرع الفكري والملتزم ذا قيمة كبيرة. لقد قدم وجهًا عصريًا ومتعلمًا ومنظمًا لثورة كانت الدعاية الاستعمارية تحاول جاهدة تقديمها على أنها بدائية أو قبلية.
من خلال إعلان اليوم الوطني للطالب، سجلت الجزائر المستقلة هذه التضحية في الذاكرة الجماعية. في كل عام، تكرم الجامعات هذه الشريحة الشبابية الاستثنائية التي مزجت بين المعرفة والنضال، والقلم والبندقية، والعقل والشجاعة. يلخص البروفيسور زرقاوي هذا الإرث بهذه الكلمات “19 ماي 1956 ليس مجرد ذكرى. إنه منعطف. إنه يذكر بأن الطالب الجزائري لا يكتفي بالشهادات. بل يريد أن يشارك في صنع التاريخ، وأن يكون له وزن في الخيارات، وأن يدافع عن القيم التي تقوم عليها الأمة”. ويضيف أن “ذكرى 19 ماي هي بمثابة بوصلة. إنها تعلمنا أن الالتزام الطلابي نبيل، وأنه يمكن أن يحمل تحولات عميقة، شريطة أن يكون موجها بالقيم”.
اليوم، كما بالأمس، التحديات عديدة: السيادة العلمية، والأمن الغذائي، والانتقال الطاقوي، والرقمنة، والأخلاقيات العامة.
شباب اليوم مدعوون إلى احتلال فضاءات التميز، وإشعاع صورة البلاد من خلال البحث والابتكار والنزاهة والمواطنة الفاعلة. اليوم أيضًا، يجب ألا يختزل 19 ماي في مجرد ذكرى جامدة. إنه نداء مدو للشباب الجزائري. تذكير بأن الفكر والالتزام والوعي المواطني يمكن أن تؤثر في التاريخ. تذكير دائم بأن طلاب الجزائر في 19 ماي 1956 اختاروا التاريخ. خيار ثقيل ومطلق ولا رجعة فيه. لقد تخلوا عن أقلامهم لرفع راية الكرامة عالياً. يجب أن تستمر هذه البادرة التأسيسية في الإلهام. كل مدرج في الجزائر هو وريث لشجاعتهم. كل طالب يحمل عهودهم، عهد عدم خيانة قيمه أبدًا، والعمل دائمًا من أجل جزائر حرة وعادلة وقوية وعالمة.

















































