«لماذا لا تزال فرنسا تخفي خرائط مواقع التجارب؟» هذا هو السؤال الرئيسي الذي طرحته الجزائر في مقر الأمم المتحدة. وفي الوقت الذي تشارك فيه الجزائر في رئاسة أعمال مؤتمر معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية حتى 22 مايو، تواصل الدبلوماسية الجزائرية الضغط على باريس للحصول على الملفات الطبية والإشعاعية الضرورية لتطهير المناطق المتضررة.
بعد انتخابها نائبة لرئيس المؤتمر الحادي عشر لاستعراض معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (TNP) الذي سيستمر حتى 22 مايو المقبل في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، استغلت الجزائر المنبر الأممي لتأكيد التزاماتها تجاه نزع السلاح، مع الدعوة إلى مزيد من الشفافية بشأن آثار التجارب النووية الفرنسية على أراضيها.
وقد ترك عمار بن جامع، الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة، بصمة في المناقشة العامة للمؤتمر الحادي عشر لاستعراض معاهدة عدم الانتشار النووي (TNP) بطرحه ثلاثة أسئلة أساسية: «لماذا لم تزود فرنسا الجزائر حتى الآن بالخرائط التي تحدد الموقع الدقيق لمواقع التجارب النووية وتسمح بتحديد موقع النفايات المدفونة؟ ما هي العقبات التي تحول دون الكشف عن المحفوظات التاريخية والبيانات الإشعاعية والملفات الطبية الضرورية لإزالة التلوث البيئي وحماية الصحة العامة؟”، مشيراً بذلك إلى “صفحة مؤلمة” من تاريخ الطاقة النووية العالمي.
ويأتي هذا التدخل في سياق انتخاب الجزائر لمنصب نائب رئيس هذا المؤتمر الذي يُعقد كل خمس سنوات، مما يؤكد مكانة الجزائر بين الفاعلين الملتزمين بالتعددية ونظام عدم الانتشار، في إطار مسيرة دبلوماسية تتسم بمشاركة مستمرة في هذا الملف.
وفي كلمته، حرص الدبلوماسي على إعادة وضع مسألة التجارب النووية في صميم الاهتمامات المعاصرة المتعلقة بنزع السلاح. وأشار إلى أن الأراضي الجزائرية كانت مسرحاً لسبعة عشر تجربة نووية أجرتها فرنسا في ستينيات القرن الماضي، في فترة حاسمة من التاريخ الوطني، موضحاً أن تداعيات التجربة الأولى طالت منطقة تجاوزت مساحتها 3000 كيلومتر، مع عواقب مستدامة على السكان والنظم البيئية. وأكد أن “العواقب لا تزال جرحاً مفتوحاً”، مشيراً بشكل خاص إلى الأمراض والتشوهات الخلقية وتدهور بعض الأراضي. كما أشار إلى بيانات تفيد بوجود مستويات إشعاعية مستمرة في بعض المناطق المعنية، وذلك بعد عدة عقود من إجراء التجارب.
وفي هذا السياق، تواصل الجزائر الدعوة إلى توفير وصول كامل إلى المعلومات اللازمة لإدارة هذا الإرث المؤلم. وقد حرص السيد بنجامة على التأكيد على الأهمية الحاسمة لتوفر خرائط دقيقة لمواقع التجارب، وبيانات إشعاعية مفصلة، فضلاً عن السجلات الطبية، التي تُعتبر عناصر أساسية لإجراء عمليات إزالة التلوث بفعالية وضمان متابعة صحية ملائمة للسكان المتضررين. ويأتي هذا الطلب في إطار نهج يركز على الشفافية والتعاون الدولي. ودعا ممثل الجزائر إلى إزالة العقبات التي لا تزال تعوق الوصول إلى هذه المعلومات، معتبراً أن تبادلها يشكل شرطاً أساسياً لأي مسعى موثوق لإعادة تأهيل البيئة.
وعلاوة على ذلك، تطرق إلى مسألة النهج المتباينة في التعامل مع عواقب التجارب النووية، داعياً إلى معالجة متسقة ومنصفة. وفي هذا الصدد، تساءل الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة عن سياسة فرنسا المتغيرة التي «تستمر في تجاهل المقترحات الملموسة والبناءة التي تقدمها الجزائر لإعادة تأهيل المواقع الملوثة وتنكر أي مسؤولية، في حين أنها قامت بتفكيك منشآتها التقنية وبذلت جهوداً لإزالة التلوث في بولينيزيا الفرنسية”. وتابع طرح السؤال التالي: “كيف يمكن تبرير هذا المعيار المزدوج؟”.
من ناحية أخرى، تناولت مداخلة الجزائر أيضًا أسس معاهدة عدم الانتشار النووي المعنية. وذكّر السيد بن جامع بأن الجزائر، بانضمامها إلى معاهدة عدم الانتشار النووي، اختارت طريق التعددية وتخلت عن الخيار النووي، مع الوفاء بجميع التزاماتها الناشئة عن المعاهدة.
كما شدد على أن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية تقوم على التوازن بين التزامات الدول غير الحائزة للأسلحة النووية، التي تتخلى عن حيازتها، والتزامات الدول الحائزة، التي تتعهد بمواصلة المفاوضات بحسن نية بهدف التخلص من ترساناتها. وأشار إلى أن «أحد الطرفين قد أوفى بالتزاماته. أما الطرف الآخر، فيما يتعلق بإزالة هذه الأسلحة، فلم يفعل ذلك بعد”. ولذلك، دعا إلى تنفيذ أكثر فعالية لهذا الالتزام الأساسي للمعاهدة.
وفي هذا السياق، أشار السفير أيضًا إلى الصعوبات التي واجهت عملية استعراض معاهدة عدم الانتشار النووي، مذكّرًا بأن المؤتمرين السابقين انتهيا دون التوصل إلى توافق في الآراء. وهو وضع يثير، حسب قوله، تساؤلات حول قدرة نظام عدم الانتشار على مواجهة التحديات الحالية.
وفي مواجهة هذه العقبات، دعت الجزائر إلى «تعزيز الجهود الجماعية من أجل الحفاظ على مكاسب المعاهدة واستعادة الثقة بين الدول الأطراف»، مؤكدة من جديد الطابع غير القابل للتجزئة للالتزامات المتعهد بها في إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهو شرط أساسي لمصداقيتها.
وتجدر الإشارة إلى أن انتخاب الجزائر لمنصب نائب رئيس المؤتمر الحادي عشر لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية يأتي في إطار استمرار التزامها بنزع السلاح النووي واحترام القانون الدولي. وقد جمعت الجزائر بين الذاكرة التاريخية والعمل المتعدد الأطراف، واغتنمت هذه الفرصة لتسليط الضوء على أولوياتها، لا سيما في مجالات الشفافية والعدالة البيئية والتعاون الدولي، في إطار سعيها إلى تعزيز مصداقية نظام عدم الانتشار النووي والترويج لعالم خالٍ من الأسلحة النووية.




















































