

محمد قحش
خبير إقتصادي و محلل سياسي
واشنطن – الولايات المتحدة الأمريكية
يعد الذهب أحد الأصول التي أثبتت قيمتها عبر التاريخ، إذ لا يزال هذا المعدن النفيس يحافظ إلى يومنا هذا على بريقه، لاسيما في أوقات الأزمات والاضطرابات الجيوسياسية، حيث يلعب دوما دورا مهما وحاسما في نمو الاقتصاد العالمي، وفي الإستقرار المالي والنقدي للدول عن طريق بنوكها المركزية، التي تنظر إليه كمخزن للقيمة، وملاذا آمنا في أوقات الأزمات الإقتصادية والمالية…فالذهب كان يمثل العملة التجارية المثفق عليها في العصور القديمة أو ما قبل الميلاد، وكان يرمز للثروة والقوة، وفي الوقت الحالي، فإن الدول القوية هي من تحوز على إحتياطيات كبيرة من الذهب، وهي التي تصدر إملاءاتها وأوامرها على الدول الضعيفة إقتصاديا. فهذا المعدن النفيس لا ينتمي لدولة بعينها، لأنه في واقع الأمر أقوى من كل العملات، ولم يفقد مكانته ولا بريقه ولا تأثيره حتى اليوم، وعادة ما يلجأ المستثمرون إلى شراء الذهب للحفاظ على ثرواتهم خلال ارتفاع التضخم، وأيضا لحماية أنفسهم من المخاطر الناجمة عن تقلبات سوق العملات وانهيارها وتراجع قيمتها، في حين ترتفع قيمة الذهب عند انخفاض القدرة الشرائية للعملات الورقية، كما أن اللجوء إلى الذهب، يعني بالضرورة تنويع الاحتياطات وعدم الاعتماد على الدولار الأمريكي فقط، في ظل بروز فكرة التخلي عن الدولار، وهو ما تفطنت إليه الدول الكبرى التي سارعت إلى تعزيز إحتياطياتها من الذهب لحماية إقتصادها من جهة، واستغلاله في التمويل العالمي والهيمنة على الأسواق الدولية من جهة أخرى.
فإذا كان الذهب يساعد على استقرار العملة والحفاظ على قيمتها، فهو أيضا جاذب للاستثمارات، باعتبار أن المستثمرين يلجأون إليه لحماية أموالهم وتفادي الإفلاس، فالبنوك المركزية في جميع أنحاء العالم تحتفظ باحتياطي معين من الذهب، لكن تبقى الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وإيطاليا وفرنسا وروسيا وكذا الصين تستحوذ على أعلى الإحتياطيات من الذهب في العالم. وبمرور الوقت، ترسخ أكثر التوجه نحو الملاذ الآمن لدى غيرها من الدول، وأصبحت البنوك المركزية للدول تشتري المزيد من الذهب، لحماية نفسها من التقلبات الإقتصادية.
فالذهب يظل محافظا على قيمته حتى عندما تنخفض الأصول الأخرى، كما أنه سهل الشراء والبيع، ووجوده في المحفظة الإستثمارية يساعد على تقليل المخاطر، ويمكن أن يؤثر أيضا على قيمة العملات، هكذا هي السوق، ارتفاع في سعر الذهب يقابله انخفاض في قيمة الدولار، والعكس، لهذا تسهر البنوك المركزية على مراقبة بورصة الذهب عن كثب، لتعديل سياساتها النقدية وقراراتها المالية، ويبقى الذهب بذلك مصدرا مهما في عالم التمويل. سواء كان الأمر يتعلق بحماية الأصول أو تنويع الإستثمارات.
فالصين مثلا، كثفت مشترياتها من الذهب لزيادة إحتياطياتها وتنويع أصولها، بغرض زيادة الثقة في عملتها المحلية وتجنب الإعتماد على الدولار فقط في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي السائدة، وهناك بعض البنوك المركزية الأخرى، التي تختار بيع كميات معتبرة من الذهب، قد يكون هذا بسبب احتياجاتها للسيولة أو تعديلات المحفظة الإستثمارية…ورغم أن الجزائر تحتل المرتبة الأولى إفريقيا والثالثة عربيا بعد المملكة العربية السعودية ولبنان، والمركز 26 عالميا في إحتياطات الذهب، وما تزخر به من مناجم كبيرة وكثيرة من الذهب، لكنها تبقى غير مستغلة للأسف !
الذهب في التوترات الجيوسياسية والأزمات الاقتصادية
يلعب الذهب دورا محوريا في الصراعات الدولية، التي يسجل فيها تفوقه المتواصل على أداء العملات الأخرى خلال فترات عدم الاستقرار الاقتصادي، ففي حالة الحرب يمكن للدول أن تبيع ذهبها أو جزءا منه للحصول على الموارد المالية بأي عملة عالمية ممكنة لتمويل الحروب، أو إستعدادا للعقوبات الإقتصادية المحتملة، التي تمنع الوصول إلى إحتياطيات الدولار، ذلك أن الذهب هو أحد الأصول التي لا يمكن تجميدها في حالة العقوبات مثلما يحدث مع الدولار.
كما يلعب الذهب دورا حيويا أيضا في أوقات الأزمات الإقتصادية والمالية، أي عندما تنهار الأسواق، لأنه من الأصول التي تحتفظ بقيمتها ولا تفقد لمعانها تحت تأثير هذه الظروف، فضلا عن أنه يوفر الحماية في حالات عدم اليقين المالي والإقتصادي، ويعزز سيادة الدولة النقدية. وخلال فترات الركود الاقتصادي، تحرص البنوك المركزية في غالب الأحيان على زيادة احتياطياتها من الذهب، لأن الاقدام على هذه الخطوة، يساعد على الاستقرار الاقتصادي، وقد أثبت الذهب أنه أقل تقلبا من الأصول الأخرى، وهو تأمين ضد التضخم.
التقدم التكنولوجي والاقبال المتزايد على الذهب
يعتبر الذهب مادة أساسية في التطور التكنولوجي وفي عالم الإلكترونيات والإبتكارات، مثل الهواتف المحمولة والشاشات والأجهزة الطبية والعلاج الإشعاعي، وكذا في مجالات الطاقة و الصناعة، كما يستخدم للتقليل من حدة التلوث وغيرها من المزايا والاستعمالات المتعددة التي يحظى بها هذا المعدن النفيس الذي لايتأكسد ولا يتأكل، وهذا ما يعكس ارتفاع الطلب على الذهب في الأسواق العالمية واستمرار البنوك المركزية في شرائه والإعتماد عليه.
الذهب لدعم العملة المحلية
إن مخزون الذهب لأي دولة هو في الأساس احتياط، تحتفظ به الدولة كجزء من احتياطاتها النقدية، هذا المخزون يعتبر من أهم الأصول التي تعتمد عليها الدول لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والمالي، إذ يستخدم لدعم قيمة العملة الوطنية، خاصة في الأوقات التي تشهد فيها الأسواق تقلبات حادة. فوجود احتياطي كبير من الذهب يمنح الثقة للاقتصاد المحلي، كما أن زيادة احتياطي الذهب يعني التنوع في أصول الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي من أجل مواجهة التذبذب في سعر صرف العملات الأجنبية، ودعم العملة الوطنية، ما يجبر الحكومة على ضبط سياستها المالية وبالتالي تفادي طباعة الأموال بشكل مفرط، هذا ما جعل من الذهب ملاذا آمنا في أوقات الأزمات.
امتلاك الذهب لتقليل الاعتماد على عملة واحدة
إن امتلاك أي دولة للذهب هو مكسب حقيقي وثمين وقيمة مضافة لها، وتنويع في الأصول المالية، فهو كفيل بأن يقلل من اعتمادها في تعاملاتها المالية في بعض الحالات على العملة المهيمنة، والمقصود هنا طبعا الدولار الأمريكي، لأن قيمته لا تعتمد على سياسات الحكومات أو البنوك المركزية، كما لا يمكن طباعته أو التحكم فيه مثل العملات الورقية، وزيادة أرصدة البنك المركزي من الذهب للحماية من تداعيات التقلبات والتوترات الجيوسياسية، بمعنى لا نضع كل البيض في سلة واحدة.
الذهب والتعبئة
حسب مشروع قانون التعبئة العامة المنصوص عليه في المادة 99 من الدستور الجزائري، والذي يندرج في إطار مساعي الدولة الرامية إلى تعزيز الطاقة الدفاعية للأمة لمجابهة أي خطر محتمل يهدد استقرار البلاد واستقلالها وسلامتها الترابية، و تشمل هذه الحالات على وجه الخصوص، حالة الحرب أو التهديد بالحرب، أو حالة الحصار، أو الكوارث الطبيعية أو التكنولوجية التي تهدد الأمن الوطني، أو النظام العام أو الأزمات الإقتصادية و الإجتماعية الخطيرة التي تهدد إستقرار البلاد، التي تتطلب ضرورة مشاركة القطاعين العمومي والخاص، وكذا المجتمع المدني وكل المواطنين بما فيهم الجالية الجزائرية بالخارج، بالنظر إلى دورهم المهم في الدفاع عن الوطن، من أجل ضمان الفعالية في الانتقال من حالة السلم إلى حالة الحرب للقوات المسلحة وأجهزة الدولة والهيئات والمؤسسات الوطنية وكل الاقتصاد الوطني، ووضع القدرات الوطنية تحت التصرف لصالح المجهود الحربي بحسب ما جاء في قانون التعبئة العامة…فأول الإحتمالات عند الحظر أو الحرب هو تطبيق العقوبات الإقتصادية، كتجميد أرصدة العملة الصعبة، وهنا يبقى الذهب هو الملاذ الآمن في حال دق ناقوس الخطر، باعتباره من الأصول التي لا يمكن تجميدها في حال تطبيق العقوبات.
وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية الأولى عالميا بإحتياطي يصل إلى 8133 طنا من الذهب، تليها ألمانيا ب 3351 طنا، ثم إيطاليا 2452 طنا، وفرنسا 2437 طنا، وتأتي بعدها روسيا ب 2333 طنا و الصين ب 2292 طنا ، أما إحتياطي الدول العربية فتتصدره المملكة العربية السعودية ب 323 طنا، تليها لبنان ب 287 طنا، وبالنسبة للجزائر التي تأتي في المرتبة الثالثة و التي تقدر احتياطها من الذهب بحوالي 174 طنا، أي ما يعادل 18 مليار دولار أمريكي، إلا أنها مطالبة اليوم برفع أو بالأحرى مضاعفة إحتياطات مخزونها من الذهب بكثير، لأن الظروف السائدة باتت تحتم ذلك، وهذا من خلال الاستثمار والاستغلال الأمثل لمناجمها، أو عن طريق اللجوء إلى بورصة الذهب…الذي يمكنها من تعويض أي عملة أجنبية، ويجعلها قادرة على مجابهة أي خطر محتمل، أو عقوبات اقتصادية دولية، فبالذهب يمكن شراء الأسلحة الدفاعية وقطع الغيار الحربية، وهو أيضا عملة ثمينة لضمان غذائنا. هذا ما يفسر حرص بعض الدول على امتلاك الذهب للتخلص من هيمنة الدولار و الأورو، خوفا من أي عقوبات محتملة، وهذا الأمر ينطبق على روسيا، التي سارعت إلى شراء كميات كبيرة من الذهب خلال 2020 أثناء استعدادها للحرب مع أوكرانيا، وما قد ينجر عنها من عقوبات اقتصادية، ووفقا لصحيفة تليغراف البريطانية، فقد استطاعت موسكو أن ترفع احتياطي الذهب لديها بمعدل 4 أضعاف، وهذا يصب في صميم التعبئة التي لابد أن تأخذه بعين الاعتبار، لأن مراجعة الحسابات مهمة للغاية.
الذهب مؤشر للقوة الاقتصادية
إن الدول التي تمتلك إحتياطيات كبيرة من الذهب يعطيها القوة والحماية ونوعا من الإستقلالية لمواجهة التقلبات الإقتصادية والمالية، بل ويساعدها على ضمان استقرارها المالي وسيادتها النقدية، كما يمنحها إمكانية التأثير على الأسواق العالمية، و يجعلها ملاذا آمنا للمسثتمرين، فالذهب هو القيمة العالمية المعترف بها في جميع أنحاء العالم، وعنصر مساعد على التقليل من حدة المخاطر المرتبطة بهيمنة عملة واحدة في التعاملات المالية، كما يبقى الذهب خيارا حكيما بالنسبة للمستثمرين، وكنز حقيقي بالنسبة للبنوك المركزية، وأحد الأصول القوية في عالم “دائم التغير”، وعامل مساعد على توفير الأمن والاستقرار للمستثمرين والدول، بالإضافة إلى ذلك، وفي ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة، هناك اقبال متزايد للدول على الذهب لتأمين اقتصاداتها، لأنها مدركة مدى أهمية حيازة الذهب وقيمته في عوالم المال اليوم، وفي حالات تسديد الديون أو تمويل عمليات الاستيراد، خاصة في الأوقات الحرجة المرتبطة بنقص في العملات الأجنبية، كما يستخدم الذهب أيضا كعملة في التعاملات التجارية، وكذا في تسوية الحسابات الدولية، بمعنى يتحول إلى بديل للعملات التقليدية…هذا ما جعل من الذهب عنصرا حيويا وأساسيا في السياسة الاقتصادية والمالية للدول، ويعكس قوتها وقدرتها على مواجهة الأزمات، مهما كانت وبغض النظر عن طبيعتها، وسيبقى الذهب ملاذا آمنا ومؤشرا مهما على القوة الاقتصادية للدولة.

















































