بقلم: الدكتور أيمن سلامة
لا يمكن الحديث عن العدالة الدولية وحقوق الإنسان دون مواجهة صريحة للماضي الاستعماري بكل ما فيه من آلام وجرائم. بينما تتطلع فرنسا لقيادة الاتحاد الأوروبي وتقديم نفسها كحامية للقيم الديمقراطية، تظل حقيقة تنكّرها لجرائمها الاستعمارية في الجزائر حجر عثرة أخلاقي وقانوني يثقل كاهلها.
إن محاولات فرنسا طمس الحقائق، وعدم الاعتراف الكامل بالمجازر التي ارتكبتها على مدار 132 عامًا، لا تقتصر على كونها إخفاقًا أخلاقيًا، بل تعدّ انتهاكًا صريحًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني.
إن جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، من مجازر الثامن من مايو 1945 إلى سياسات الأرض المحروقة والتعذيب الممنهج، لا تزال تترك ندوبًا عميقة. وفي الوقت الذي تسعى فيه فرنسا لاستعادة نفوذها في القارة الأفريقية وتقديم نفسها كشريك، يظلّ الماضي غير المحسوم يطاردها.
وعلى الصعيد القانوني، فإن عدم الاعتراف بهذه الجرائم يشكل تجاهلًا لمسؤوليتها القانونية عن التعويضات وجبر الأضرار، وهو ما يتناقض مع المبادئ التي قامت عليها المحكمة الجنائية الدولية.
وبالمقارنة، نجد أن دولًا استعمارية أخرى قد أظهرت شجاعة أخلاقية وقانونية في مواجهة ماضيها. فإيطاليا، على سبيل المثال، قدمت اعتذارًا رسميًا لليبيا عن فترة احتلالها. وبلجيكا، وإن كان ببطء، بدأت في فتح ملفات استعمارها في الكونغو واعترفت ببعض الجرائم. وهولندا، بعد سنوات من الإنكار، أقرت بمسؤوليتها عن مجازر ارتكبتها في إندونيسيا. هذه المواقف ليست مجرد بادرات دبلوماسية، بل هي خطوات نحو تحقيق العدالة الانتقالية وبناء علاقات قائمة على الاحترام والاعتراف المتبادل.
إن تنكّر فرنسا لجرائمها في الجزائر لا يعيق فقط علاقاتها الثنائية، بل يضعف مصداقيتها الدولية. فكيف يمكن لفرنسا أن تطالب باحترام حقوق الإنسان في العالم، وهي لم تعترف بعد بالانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها في ماضيها القريب؟ إن الوقت قد حان لتتخذ فرنسا خطوة جريئة وشجاعة، خطوة تتجاوز الشعارات الدبلوماسية، نحو الاعتراف الكامل والاعتذار الرسمي، لإنهاء هذا الفصل المؤلم من التاريخ، وإرساء أساس حقيقي للعدالة والشفاء.






















































