تباينات حول إيران وإملاءات أمريكية: تصدعات الكتلة الغربية

mesentente e1782596805679 I Le Jeune Indépendant عربي

يمر النظام الدولي المعاصر بفترة إعادة تشكيل قاسية، تتسم بعودة الحروب شديدة الكثافة، وتآكل المؤسسات متعددة الأطراف، وبروز عالم متعدد الأقطاب. وتعد الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران خير دليل على ذلك. وفي خضم هذا الاضطراب، تشهد الشراكة عبر الأطلسي، التي تمثل حجر الزاوية للأمن الغربي منذ فترة ما بعد الحرب، توترات هيكلية غير مسبوقة.

وبين الإرادة المعلنة للاتحاد الأوروبي لتحقيق استقلاليته الاستراتيجية واستمرار اعتماده على واشنطن، تعيد العلاقات الصينية-الأمريكية-الأوروبية رسم ملامح الجغرافيا السياسية العالمية. وفي مواجهة الأزمات المتزامنة، بات الغرب يتأرجح الآن بين تضامن شكلي وتباينات جوهرية في المصالح.

لعقود من الزمن، فوضت أوروبا أمنها للمظلة النووية والعسكرية الأمريكية، وركزت جهودها على بنائها الاقتصادي ومكانتها كقوة استراتيجية. ومع ذلك، شكلت تقلبات السياسة الداخلية الأمريكية، التي تعمقت مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، والتحول الاستراتيجي لواشنطن نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بمثابة صدمة لقادة القارة العجوز. إن الخوف من انسحاب مفاجئ أو إعادة توجيه لأولويات البنتاغون حوَّل الاستقلالية الاستراتيجية، من مجرد مفهوم نظري في السابق، إلى حتمية للبقاء السياسي.

ويُترجم هذا الوعي إلى رغبة في إعادة هيكلة البنية الدفاعية للقارة، لا سيما في مواجهة التهديد الوجودي الروسي. وتسعى أوروبا جاهدة لتعزيز قدراتها العملياتية من خلال إصلاحات مؤسسية، ومشاريع صناعية عسكرية مشتركة، وزيادة كبيرة في ميزانياتها الدفاعية.

يعتبر الهدف متوسط المدى طموحاً: تحمل جزء أكبر من العبء المالي والعملياتي داخل حلف شمال الأطلسي، مع تطوير قدرة عمل مستقلة في جوارها المباشر، لا سيما في بحر البلطيق، أو القطب الشمالي، أو البحر الأبيض المتوسط. ومع ذلك، يصطدم هذا التحول بواقع صناعي وتكنولوجي؛ فالفجوة في الإمكانات مع الولايات المتحدة لا تزال هائلة، والحد من هذا الاعتماد المطلق سيستغرق عقوداً.

المعضلة الصينية وإغراء الحمائية

بالتوازي مع هذا التحرر العسكري الخجول، يتعين على الاتحاد الأوروبي الإبحار في حلبة التنافس النظامي بين الولايات المتحدة والصين. وخلافاً لواشنطن، التي تتبنى موقفاً يتمثل في المواجهة المباشرة وفك الارتباط الاقتصادي الكامن مع بكين، تحاول بروكسل الحفاظ على موقف متوازن.

تظل الصين شريكاً تجارياً لا غنى عنه ولاعباً أساسياً في الاستجابة للتحديات العالمية، سواء تعلق الأمر بالتحول المناخي، أو تنظيم الذكاء الاصطناعي، أو إصلاح المؤسسات المالية العالمية.

ومع ذلك، يستسلم الاتحاد الأوروبي بشكل متزايد لإغراء الإجراءات الحمائية والأدوات القسرية لحماية سوقه وتأكيد سيادته الاقتصادية. ويحمل هذا النهج سلاحاً ذا حدين؛ فإذا كان يهدف إلى تعزيز القدرة التنافسية، فإنه يهدد بتقويض مصداقية الاتحاد باعتباره نصيراً للتجارة الحرة والقواعد متعددة الأطراف. ومن خلال الانغلاق في منطق المواجهة التجارية، تضعف أوروبا جاذبيتها الخاصة وتُعقد إقامة تعاون بناء مع بكين، والذي يعد أمراً ضرورياً لتحقيق الاستقرار في نظام دولي مجزأ.

اختبار الواقع: طاقم بلا وجهة في الشرق الأوسط

تتجلى تناقضات التحالف عبر الأطلسي بوضوح عند اندلاع الأزمات الملموسة، خاصة في الشرق الأوسط. فعندما تهدد التوترات الجيوسياسية الطرق البحرية الاستراتيجية (أزمة مضيق هرمز) وأمن الطاقة العالمي، يصبح التفاوت بين خطاب الوحدة والعمل على أرض الواقع صارخاً.

وتفضل الولايات المتحدة، وفية لعقيدتها كقوة عظمى، العمل الحاسم والعسكري،  متوقعة من حلفائها اصطفافاً سياسياً وعملياتياً فورياً.

في المقابل، تكشف الاستجابة الأوروبية عن شلل عميق. فأوروبا، الأسيرة لانقساماتها الداخلية وثقافتها الدبلوماسية، ترد ببيانات مبدئية، ودعوات لاحترام القانون الدولي، وتردد واضح في الانخراط في عمليات تستخدم القوة. وقد كشف العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران حجم الصدع داخل الكتلة عبر الأطلسي.

يُنظر إلى هذا الموقف — عدم الرفض الرسمي مع الامتناع عن المشاركة — من قبل واشنطن على أنه  افتقار غير مقبول للتضامن في لحظة حرجة. أما بالنسبة لبروكسل، فالأمر يتعلق بالأحرى باستراتيجية للحد من المخاطر، حيث ترفض تحمل التداعيات الاقتصادية والأمنية لالتزامات عسكرية لم توافق عليها.

في النهاية، لم تعد العلاقة عبر الأطلسي تعمل كتحالف غير مشروط، بل باتت تشبه الآن ترتيباً انتقائياً ونفعياً (قائماً على الصفقات). ترفض الولايات المتحدة أن تكون الضامن الأمني الحصري لأوروبا التي تعتبرها سلبية، بينما ترفض أوروبا أن تكون الذراع المسلحة العمياء للطموحات العالمية الأمريكية.

أما العالم الخارجي، من جانبه، فلا ينتظر أن يحل الغرب أزماته الوجودية. ففي مواجهة هذه الحالة الملحة، يثبت النموذج الحالي —الذي يجمع بين الأحادية الأمريكية والحذر الخطابي الأوروبي— أنه غير قابل للاستمرار.