تجريم الاستعمار: مشروع قانون تجريم الاستعمار قيد التدقيق من قبل النواب

principal apn e1668628633750 I Le Jeune Indépendant عربي

قبل شهرين، شكل المجلس الشعبي الوطني لجنة برلمانية لصياغة مشروع قانون يجرم الاستعمار الفرنسي في الجزائر. وجاءت هذه الخطوة في وقت وصلت فيه الأزمة بين الجزائر والقوة الاستعمارية السابقة إلى مستويات لا تطاق، مع إطلاق حملة سياسية عدائية ضد الدولة الجزائرية ومواطنيها من قبل السلطات الفرنسية والتيارات المتطرفة والمعادية للأجانب والعنصرية.

غير أن هذا القانون ليس بجديد، إذ يعود تاريخ المبادرة إلى أكثر من عشرين سنة، كرد فعل على إجراء قام به البرلمان الفرنسي الذي تبنى قانوناً يمجد الاستعمار ويخفي مجازر وهمجية الجيش الفرنسي ضد الشعب الجزائري لأكثر من قرن من الزمن.

وبالنسبة للجيش الشعبي الوطني، فإن إنشاء هذه اللجنة يعكس إرادة سياسية ثابتة للدفاع عن الذاكرة الوطنية. كما أنها لقيت ترحيبا من قبل جميع الأحزاب السياسية دون استثناء، التي لم تتردد في تعيين ممثلين لها كأعضاء في هذه اللجنة.

 

ما هو الوضع الحالي لمشروع هذا القانون الذي انتقده البعض لأنه استغرق وقتا طويلا؟ حسب مصادر نيابية، فإن اللجنة أوشكت على الانتهاء من صياغة مشروع القانون، وتعتقد أن النص سيتم النظر فيه واعتماده قبل نهاية الدورة البرلمانية، أي قبل شهر يوليو المقبل.

ويقول بعض النواب إن اللجنة وصلت إلى المرحلة النهائية التي تتطلب الدقة القانونية، ولا سيما دقة الوقائع التاريخية، ومن هنا جاءت الاستعانة بخبراء ومحامين ومؤرخين آخرين للتحقق من صحة النص قبل تقديمه إلى مكتب المجلس الشعبي الوطني. وقد خُصِّصت الأسابيع القليلة الماضية لجلسات الاستماع لهؤلاء الخبراء، فضلاً عن دراسة مناهج مماثلة في العديد من البلدان التي عانت من الهيمنة الاستعمارية في أفريقيا وآسيا.

من الواضح أن عمل اللجنة المخصصة استند إلى الأرشيف الموجود، وآلاف من روايات شهود العيان (بالصوت والصورة أو غيرها)، والتصريحات الرسمية أو كتابات مرتكبي المجازر، بالإضافة إلى نتائج أو استنتاجات البحوث العلمية التي قام بها أكاديميون جزائريون وأجانب.

وحسب نفس المصادر، فإن اللجنة كانت ملزمة بالالتزام بصرامة الحقيقة التاريخية، وذلك لتفادي أي تأويل أو جدل قد يخلق جدلاً أو يثير نقاشات عقيمة. وكان لا بد من تجنب هذه المزالق لأن مقاربة اللجنة واضحة تماما: المطالبة بالاعتراف بالجرائم الاستعمارية وعواقبها الوخيمة على الشعب الجزائري، وقبل كل شيء ضمان إعطاء التعويضات قيمتها العادلة، وكذا الحقوق المعنوية، خاصة فيما يتعلق بآثار التجارب النووية والكيميائية، واستغلال الموارد الطبيعية للبلاد خلال فترة الاستعمار.

الجانب الآخر الذي أثار نقاشًا معمقًا داخل هذه اللجنة هو الإشارة إلى بعض بنود اتفاقيات إيفيان الموقعة في مارس 1962 بين الحكومة المؤقتة للثورة الجزائرية والحكومة الفرنسية. وبسبب هذه الإشارة، رفضت الحكومة مشروع قانون مماثل، قدمته مجموعة من النواب في عام 2010، بحجة وجود تناقضات مع بنود الاتفاقيات.

ومهما يكن من أمر، فإن هذا النص الذي طال انتظاره، بالنظر إلى السياق السياسي والجيوسياسي، أصبح ضرورة ملحة، حيث يؤكد من جديد على عدم تقادم جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها فرنسا في الجزائر منذ 1830 إلى غاية صيف 1962. وقد وصف الرأي العام الوطني مشروع القانون هذا بأنه دليل ملموس على إصرار الدولة الذي لا يتزعزع على الدفاع عن الذاكرة التاريخية، وهو أمر غير قابل للتفاوض أو المساومة.

وأخيرا، ينبغي التأكيد على أن مقاربة الجزائر تتماشى مع المقاربة الإفريقية التي تتبناها غالبية دول القارة في إدانة الاستعمار والمطالبة بالاعتراف بالجريمة الاستعمارية وتبعاتها، بما في ذلك رد الحقوق والتعويض عن المظالم التاريخية التي عانت منها الشعوب الإفريقية.