بسم الله الرحمـــن الرحيــــم
اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
قبـل الهجـرة النبويـة وبعدهـا دلالات وآفـــــاق
1) لا مساومـة ولا تسامـح في المبـادئ والعقيـدة :
نشأ سيدنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه يتيما , فقيرا رغم انتمائه لقريش . إنه ينتمي إلى فرع من هاشم في قريش , وهو فرع بني عبد المطلب جده لأبيه , وبنو عبد المطلب هم أقل الفروع القرشية الهاشمية ثراء , لا سيما بيت أبي طالب عمه الذي احتضن سنوات صباه بعد ممات جده . بدأ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حياته العملية باكرا “يرعى غنم أهله ويرعى غنم أهل مكة” .
وفي ما بعد كان عليه الصلاة والسلام يقول كما ذكر الإمام ابن سعد في طبقاته:” بُعث موسى وهو راعي غنم , وبعث داود وهو راعي غنم وبعثت وأنا راعي غنم أهلي بأجياد “.ثم اشتغل لسيدتنا خديجة بنت خويلد رضي الله عنها التي أصبحت زوجه الأولى , في قافلة تجارية لها تسير بين مكة والشام , ويبدو أن حكاية اتصاله بالحنفاء حقيقية واقعة , بل ربما كان واحدا منهم . فرغم السؤال الكبير الذي يلاحقنا بحثا عن الوضوح التاريخي بشأن جماعة الحنفاء , نجد كما قال الأستاذ حسين مروه في كتابه ” النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ” ( فصل عهد ظهور الإسلام ) بعض الوضوح في إشارات المؤرخين إلى الصلة العضوية بين صاحب الدعوة الإسلامية وهذه الجماعة إضافة إلى الآيات القرآنية التي تؤكد هذه الصلة وهي توضح أن الحنيفية دين سيدنا إبراهيم أب الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأنها الدين الحق . قال تعالى في سورة الأنعام :” قل أنني هداني ربي إلى صراط مستقيم , دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ” .( 161)
وقال جل ذكره في سورة النساء : ” ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملـة إبراهيم حنيفـا واتخذ الله إبراهيم خليلا “.( 125)
وفي ” أسد الغابة ” يقول الشيخ ابن الأثير : إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن زيد بن عمرو بن نفيل وهو من أبرز الحنفاء . فقال النبي : ” يبعث أمة وحده “ وكان يتعبد في الجاهلية ويطلب دين إبراهيم الخليل ويوحد الله ويقول : إلهي إله إبراهيم وديني دين إبراهيم إلى آخر الحديث .. وهذا مؤشرا آخر لتلك الصلة بين سيدنا محمد المبعوث بالحنيفية السمحة وجماعة الحنفاء . أجل إنه الإعلان الذي يوحي بالشكر , ويشي بالثقة , ويفيض باليقين , اليقين في بناء العبادة اللفظي ودلالتها المعنوية والثقة بالصلة الهادية , صلة الربوبية الموجهة المهيمنة الراعية .والشكر على الهداية إلى الصراط المستقيم , الذي لا التواء فيه ولا عـوج ” دينا قيما “ وهو دين الله القديم منذ سيدنا إبراهيم خليـل الرحمن , أبي هذه الأمة المباركة المخلص المنيب عليه الســلام , ” ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ” .
إن ذلك يؤكد الارتباط الواقعي بين الإسلام والحنيفية بوصف كونها تيارا دينيا فكريا ظهر في منطقة زراعية ( اليمامة) وصار لهذا التيار مبشرون في المناطق المستقرة من الجزيرة العربية , وفي مكة ذاتها بالأخص وكان المبشرون به أشخاصا ذوي شأن مرموق في أهل الجاهلية, وكان ظهور هذا التيار شكلا من التعبير عن التغييرات المستجدة في أسس العلاقات الاجتماعية لمجتمع الجاهلية , بمعنى أن تيار الحنفاء هو ذاته كان يشكل ظاهرة من مجموعة الظاهرات المتشابكة الناشئة عن ذلك الاتجاه العام لحركة المجتمع الجاهلي نحو تغيير لا يقتصر على أسسه المادية , بل من الحتم أن يتناول أيضا حقل الوعي الإجتماعي بشكله التاريخي حينذاك وهو الشكل الديني .
إن هذه النظرة إلى العلاقة بين ظهور الإسلام وظروف تلك المرحلة من تاريخ العرب , بل تاريخ المجتمعات الأخرى القريبة من جزيرة العرب لهي نظرة تكشف عن الجذور الإجتماعية والمعرفية للمهمات الكبرى التي كان على الإسلام أن ينهض بدوره التقدمي في تحقيقها لتغيير خريطة الواقع الاجتماعي و الواقع المعرفي لأكثر من مجتمع واحد في اكثر من قارة واحدة خلال القرون الوسطى كلها .
لقد وضح , منذ بدء الدعوة الإسلامية أن صاحب هذه الدعوة يقف في المدى الزمني القريب , على صعيد آخر غير الصعيد الذي تقف عليه زعامة قريش بسيطرتها المادية , وهي الزعامة المتمثلة بكبار التجار والمرابين من أصحاب ” الملأ المكي ” وأركان ” دار الندوة ” .و وضح من ذلك أن موقع الإسلام في حركة التغيير سيكون الموقع المؤشر في دفع هذه الحركة لصالح التقدم , أي لصالح العملية التاريخية التي كانت تقتضي انتقال العلاقات الاجتماعية من شكلها البدائي إلى شكل أعلى منه وأرقى في طريق التطور وفقا لمنطق القوانين العامة الموضوعية للتطور .
أ)* قريـش والدعـوة الإسلاميـة :
من هنا كان رد الفعل سريعا بوجه سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رد فعل لا يمكن أن لا نرى الواقع الطبقي في أساسه وأن كان صحيحا القول بأن الانقسام الطبقي لم تكن قد نضجت ظروفه بعد لكن معالم كينونته الأولى كانت تتنامى بوضوح في المجتمع المكي خصوصا .أن رد الفعل تجاه إعلان الدعوة الإسلامية كان واحدا من هذه المعالم أكثر وضوحا والأعمق دلالة . فقد انقسم الناس في مكة لدى إعلان الدعوة فريقين : فريق الأغنياء أي كبار أصحاب الأموال التجارية والمرابين ومالكي الأرض في الطائف وذوي الأمتيازات المتعلقة بالسيطرة على شؤون الحج و الأسواق الموسمية , و فريق الفقراء أي المعدومين منهم و المستخدمين في الأعمال و الرحلات التجاريـة والعبيد والموالي والمضطهديــن ذوي الأصول غير العربية .
* الفريق الأول بادر إلى رفض الدعوة بغيظ واستعلاء ترافقهما محاولة الإغراء والرشوة أول الأمر فلما أخفقت المحاولة أعقبها الاضطهاد بأقسى أشكاله .والفريق الثاني وجد في الدعوة الجديدة تعبيرا عن وعيه المكبوت , أي عن شعوره الغامض بالأذى الذي يناله جرّاء التفاوت المادي الاجتماعي , وقساوة الاستخدام والاستثمار, لا سيما ما يعانيه هذا الفريق من فداحة شروط المرابين والمحتكرين. لذا نجد ناسا من هذا الفريق سارعوا للانضمام إلى الدعوة متحملين أشد الأذى , في حين خشي منهم ناس آخرون عواقب الانضمام إليها علانية , فقعدوا متربصين نتيجة الصراع .
لقد نادى سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بدء الدعوة بالتوحيد الخالص والعبودية لله رب العالمين ونبذ كل الأوثان والأصنام , ودعا بتسفيه من يكدسون الأموال ويأكلون أموال اليتامى والمساكين ظلما وعدوانا ويمارسون الربا ويحتكرون مواد المعيشة , ودعا إلى المعاملة الطيبة بين الناس والوفاء ونبذ الفجور والفسوق والعصيان ودعا إلى صلة الرحم والتحلي بالأخلاق الفاضلة ..فوجدت زعامة قريش في مضامن هذه الدعوة شبح انتفاضة اجتماعية وفكرية إذا هي انتصرت ستقضي أولا على المكانة الدينية الوثنية للكعبة من حيث هي جاذب استقطاب تجاري أساسا في داخل الجزيرة وخارجها . فإن الصفة الدينية للكعبة مرتبطة عضويا بصفتها التجارية وستقضى ثانيا على امتيازات الزعامة القرشية بما هي امتيازات اقتصادية وسياسية جوهريا .
إذ كانت الآيات القرآنية هي اللسان الناطق باسم الدعوة , وإذ كانت ببيانها الفني بالغة ذروة المستويات البيانية التي كان القوم يتذوقونها يومئذ بنوع من الحس الجمالي الأدبي المتطور تطورا عاليا بالنسبة لتلك المرحلة , كان طبيعيا , لذلك أن يجتذب هذا البيان الأرفع أحاسيسهم الجمالية بروعة أسلوبه وحلاوة نسيجه الفني ودقة إشاراته إلى قصص الأقدمين وشرائعهم وإلى تقاليد الجاهلية وعاداتها ونظم حياتها . فقالوا حينا بأنه شاعر وحينا بأنه ساحر وبالغ بعضهم في تشويه أمره فقالوا : ” مجنون ” والحق جل علاه ينفي عن نبيه الكريم هذه الفرية الشنيعة بقوله : ” ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وان لك لأجرا غير ممنون وانك لعلى خلق عظيم ” ( القلم / 1-4 ) .
وإن العجب ليأخذ كل دارس لسيرة الرسول صلى لله عليه وسلم في قومه من قولتهم هذه عنه وهم الذين علموا منه رجاحة العقل حتى حكموه بينهم في رفع الحجر الأسود قبل النبـوة بأعوام , وهم الذين لقبوه بالأمين , وظلوا يستودعونه أماناتهم حتى يوم هجرته , بعد عدائهم العنيف له . فقد ثبت أن سيدنا عليا كرم الله وجهه تخلف عن رسول الله أياما في مكة , ليرد إليهم ودائعهم التي كانت عنده , حتى وهم يحادونه و يعادونه ذلك العداء العنيف.وهم الذين لم يعرفوا عليه كذبة واحدة قبل البعثة . فلما سأل هرقل أبا سفيان عنه : ” هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل نبوته ؟ ” قال أبو سفيان وهو عدوه قبل إسلامه : ” لا ” فقال هرقل : ” ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله ” .
إن الإنسان ليأخذه العجب أن يبلغ الغيظ بالناس إلى الحد الذي يدفع مشركي قريش إلى أن يقولوا هذه القولة وغيرها عن هذا الإنسان الرفيع الكريم , المشهور بينهم برجاحة العقل وبالخلق القويم , ولكن الحقد يُعمي ويُصم , والغرض يقذف بالفرية دون تحرج , وقائلها يعرف قبل كل أحد أنه كذاب أثيم .
والناظر في هذه العقيدة كالناظر في سيرة رسولها صلى الله عليه وسلم يجد العنصر الأخلاقي بارزا أصيلا فيها , تقوم عليه أصولها التشريعية وأصولها التهذيبية على السواء , الدعوة الكبرى في هذه العقيدة إلى الطهارة والنظافة والأمانة والصدق والعدل والرحمة والبر وحفظ العهد ومطابقة القول للفعل , ومطابقتهما معا للنية والضمير , والنهي عن الجور والظلم والخداع والغش وأكل أموال الناس بالباطل والاعتداء على الحرمات والأعراض وإشاعة الفاحشة بأية صورة من الصور. والتشريعات في هذه العقيدة لحماية هذه الأسس وصيانة العنصر الأخلاقي في الشعور والسلوك وفي أعماق الضمير وفي واقع المجتمع , وفي العلاقات الفردية والجماعية والدولية على السواء والرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه يقول : ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق “ . فيلخص رسالته في هذا الهدف النبيل . وتتوارد أحاديثه تترى في الحض على كل خلق كريم . وتقوم سيرته الشخصية مثالا حيا وصفحة نقية , وصورة رفيعة تستحق من الله أن يقول عنها في كتابه الخالد : ” وإنك لعلى خلق عظيم “ فيمجد بهذا الثناء نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم كما يمجد به العنصر الأخلاقي في منهجه الذي جاء به هذا النبي العظيم , ويشد به الأرض إلى السماء ويعلق به قلوب الراغبين إليه سبحانه , وهو يدلهم على ما يحب ويرضى من الخلق الكريم .
وهذا الاعتبار هو الاعتبار الفذ في أخلاقية الإسلام . فهي أخلاقية لم تنبع من البيئة , ولا من اعتبارات أرضية إطلاقا وهي لا تستمد ولا تعتمد على اعتبار من اعتبارات العرف أو المصلحة أو الارتباطات التي كانت قائمة في الجيل .إنما تستمد من السماء وتعتمد على السماء . تستمد من هتاف السماء للأرض لكي تتطلع إلى الأفق . وتستمد من صفات الله المطلقة ليحققها البشر في حدود الطاقة , كي يحققوا إنسانيتهم العليا , وكي يصبحوا أهلا لتكريم الله لهم واستخلافهم في الأرض , وكي يتأهلوا للحياة الرفيعة الأخرى ” في مقعد صدق عند مليك مقتدر ” .ومن ثم فهي غير مقيدة ولا محددة بحدود من أي إعتبارات قائمة في الأرض , إنما هي طليقة ترتفع إلى أقصى ما يطيقه البشر , لأنها تتطلع إلى تحقيق صفات الله الطليقة من كل حد ومن كل قيد .
ثم إنها ليست فضائل مفردة : صدق وأمانة وعدل ورحمة وبر … إنما هي منهج متكامل , تتعاون فيه التربية التهذيبية مع الشرائع التنظيمية وتقوم عليه فكرة الحياة كلها واتجاهاتها جميعا وتنتهي في خاتمة المطاف إلى الله جل علاه لا إلى اعتبار آخر من إعتبارات هذه الحياة .
وقد تمثلت هذه الأخلاقية الإسلامية بكمالها وجمالها وتوازنها واستقامتها واطرادها وثباتها في تلك الشخصية النورانية , شخصية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتمثلت في ثناء الله العظيم وقوله القديم : ” و إنك لعلى خلق عظيم ” .
وبعد هذا الثناء العظيم من الرب الجليل على عبده الكريم يطمئنه إلى غده مع المشركين الذين رموه بذلك البهت اللئيم ويهددهم بافتضاح أمرهم وانكشاف بطلانهم وضلالهم المبين ثم يكشف الله عن حقيقة حالهم وحقيقة مشاعرهم وهم يخاصمونه ويجادلونه في الحق الذي معه , ويرمونه بما يرمونه وهم مزعزعو العقيدة فيما لديهم من تصورات الجاهلية التي يتظاهرون بالتصميم عليها , إنهم على استعداد للتخلي عن الكثير منها في مقابل أن يتخلى هو عن بعض ما يدعوهم إليه !! على استعداد أن يدهنوا ويلينوا ويحافظوا فقط على ظاهر الأمر لكي يدهـن هو لهم ويـلين .. فهم ليسوا أصحاب عقيدة يؤمنون بأنها الحق , وإنما هم أصحاب ظواهر يهمهم أن يستروها .. قال عز وجل : ” فلا تطع المكذبين ودوا لو تدهن فيدهنون “ . فهي المساومة إذن والالتقاء في منتصف الطريق كما يفعلون في التجارة . وفرق بين الاعتقاد والتجارة كبير . فصاحب العقيدة لا يتخلى عن شيء منها لأن الصغير منها كالكبير , بل ليس في العقيدة صغير وكبير , إنها كل لا يتجزأ , حقيقة واحدة متكاملة الأجزاء لا يطيع فيها صاحبها أحدا , ولا يتخلى عن شيء منها أبدا .
وما كان يمكن أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق ولا أن يلتقيا في أي طريق وذلك حال الإسلام مع الجاهلية في كل زمان ومكان , جاهلية الأمس وجاهلية اليوم , وجاهلية الغد كلها سواء . أن الهوة بينها وبين الإسلام لا تُعبر ولا تُقام عليها قنطرة , ولا تقبل قسمة ولا صلة وإنما هو النضال الكامل الذي يستحيل فيه التوفيق .
ولقد وردت روايات شتى فيما كان يدهن به المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم ليدهن لهم ويلين ويترك سب آلهتهم وتسفيه عبادتهم , أو يتابعوه في شيء مما عليه ليتابعوه في دينه وهم حافظون ماء وجوههم أما جماهير العرب , على عادة المساومين الباحثين عن أنصاف الحلول , ولكن الرسول المعصوم صلى الله عليه وسلم كان حاسما في موقفه من دينه لا يدهن فيه ولا يلين . وهو فيما عدا الدين ألين الخلق جانبا وأحسنهم معاملة وأبرهم بعشيرة وأحرصهم على اليسر والتيسير .
ولم يساوم صلى الله عليه وسلم في دينه وهو في أحرج المواقف العصبية في مكة , وهو محاصر بدعوته , وأصحابه القلائل يتخطفون ويعذبون ويؤذون في الله أشد الإيذاء وهم صابرون , ولم يسكت عن كلمة واحدة ينبغي أن تقال في وجوه الأقوياء المتجبرين , تأليفا لقلوبهم أو دفعا لأذاهم . ولم يسكت كذلك عن إيضاح حقيقة تمس العقيدة من قريب أو من بعيد .
روى الإمام ابن هشام في السيرة عن الشيخ ابن إسحـاق قال : ” فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله , لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه فيما بلغني , حتى ذكر آلهتهم وعابها. فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه. وأجمعوا خلافه وعدواته إلا من عصم الله تعالى منهم بلإســلام و هم قليل مستخفون , و حدِب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه , ومضى رسول الله صلى لله عليه وسلم على أمر الله مظهرا لأمره , لا يرده عنه شيء . فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم , ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم . مشى رجال أشراف قريش إلى أبي طالب , عتبة وشيبة أبنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب بن أمية وأبو البختري واسمه العاص بن هشام والأسود بن المطلب بن أسد وأبو جهل ( واسمه عمرو بن هشام وكان يكنى أبا الحكم ) والوليد بن المغيرة , ونبيه ومنبه أبنا الحجاج بن عامر أو من مشى منهم . فقالوا : ” يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا , وسفه أحلامنا وضلل آباءنا , فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه , فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه , فنكفيكه !! فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا , وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه .
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه : يظهر دين الله ويدع إليه , ثم ثرى الأمر بينه وبينهم حتى تباعدوا وتضاغنوا , وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذامروا فيه ( تغيظوا) وحظ بعضهم بعضا عليه ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له : ” يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا وإنا والله لا نصبر على هذا : من شتم آبائنا وتسفيـه أحلامنا , وعيب ألهتنا , حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين ” . أو كما قالوا له ثم انصرفوا عنه .فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم , ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم و لا خذلانه . قال الإمام ابن إسحاق وحدثني يعقوب بن عقبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا لي :كذا وكذا ( الذي كانوا قالوا له ) فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق . قال : فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء وأنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه .
قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ” .
قال : واستعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى . ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال : أقبل يا ابن أخي قال : فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا ” .
ب* دعوة القرآن إلى التوحيد والقيامـة وآثـارها على النفـوس :
والقرآن في آياته وسوره المكية دعا إلى محورين مركزيين : التوحيد والقيامة ( أما التوحيد ) فالذي يعنينا من شأنه البعد الاجتماعي لمعنى التوحيد . وإذا كان الحنفاء قد عبروا عن هذا البعد الاجتماعي بطريقة عامة لم تستطع الكشف عن خصوصيته بجلاء . فذلك لأن تيار الحنفاء برز إلى السطح في وقت كانت فيه عوامل تفكك النظام القبلي لا تزال في درجة المخاض , وما جاء الإسلام إلا وقد أصبح تفكك هذا النظام حاجة فعلية ضرورية تاريخيا , وأصبحت الحاجة تلك أكثر من كونها حاجة إلى التفكك بذاته كفعل نفي وهدم فقط .. إذ كان الأمر قد تجاوز ذلك , ونضجت العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية، لوضع مسألة انهيار النظام القبلي و مسألة قيام النظام البديل له في مستوى واحد على جدول المهمات المرحلية لعملية تطور مجتمع الجاهلية العربية التاريخي نعني بالنظام البديل ذلك الذي ينبغي له أن يقيم الأبنية والأطر الفوقية القادرة أن تمثل على مستوى القيادة والتشريع والفكر ما كان يحدث من تغييرات في مستوى القاعدة المادية والعلاقات الاجتماعية وقد كان محور هذه التغييرات هو التغيير في مجال تقسيم العمل . فهذا يقتضي بدوره تغيراً في انقسام المجتمع الجاهل على أساس الانتماء القبلي بحد ذاته مستقلا عن انتماءات المواقع في عملية إنتاج الحاجات المادية للمجتمع . فقد أصبح انقسام أهل الجزيرة العربية إلى وحدات قبلية منفصلة , مستقلة بعضها عن بعض عائقا فعليا دون تحقيق مهمات العملية التطورية المرحلية : كان لابد إذن من إختراق هذا العائق أي كان لابد إذن من حضور الإطار التوحيدي القادر أن يكون إطار واحد للتناقضات ذات النوعية الاجتماعية الجديدة .
كان لابد من حضوره حضوراً فعليا بوصف كونه قوة مادية موحدة أولا وبوصف كونه فكرة مبدئية توحيدية على مستوى الوعي ثانيا . وقد جاء الإسلام ليكون هو هذا الحضور الفعلي على المستويين كليهما : مستوى القوة المادية لمؤسسة ومستوى الوعي كفكرة أو مبدأ أو عقيدة وهذا ما كإنه معنى التوحيد من حيث البعد الاجتماعي الكامن في مضمونه الديني المباشر , أي مضمونه الإيماني الإسلامي الخاص, وهذا ما كان يشير إليه التوجيه القرآني في الكثير من آياته, منها :” شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك , وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ” ( الشورى / 14 ) .
” وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا , وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين “( الأنفال/ 46) .
” ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ” ( آل عمران /105)
” واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا, واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخـوانا ” ( آل عمران /103) .
إن هذا البعد الاجتماعي لمعنى التوحيد , قد أظهره سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم نصا صريحا في أول وثيقة سياسية وضعها إثر الهجرة المباركة إلى المدينة المنورة , معلنا المبادئ الأولى لخطة العمل التحالفي بين مختلف الفرقاء الذين صار المسلمون فريقا منهم في دار الهجرة هذه. جاءت هذه الوثيقة بصورة كتاب على حد تعبير الأستاذ محمد حسين هيكل في كتابه ” حياة محمد ” حين قال : ” كتب محمد بين المهاجرين والأنصار كتابا واعد فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم و أموالهم , اشترط عليهم واشترط لهم ” تبدأ الوثيقة ” الكتاب ” هكذا :
” هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم وجاهد معهم. إنهم أمة واحدة من دون الناس.”فهذا أول مبادئ الوثيقة وهو المبدأ الذي يرسم الإثارة الى وجهة المسيرة التاريخية، مسيرة العبور من علاقات التجمع القبلي الكمي إلى علاقات المجتمع الحضري الكيفي .
*( وأما عن عقيدة القيامة ) التي كانت المحور الثاني للدعوة الإسلامية فإن دلالة لفظ يوم القيامة و” يوم الدين ” تعني يوم محاسبة الناس أو محاكمتهم في العالم الأخروي عن كل ما فعلوه في عالم الحياة الدنيا،عالم الأرض والبشر .
ومؤدى ذلك أن وراء المعنى الميتافيزيقي لعقيدة القيامة مضمونا اجتماعيا يرتبط أساسا ومنطلقا , بحياة الناس كبشر وبعلاقاتهم الواقعية على صعيد الواقع البشري المادي غير أن هذا المضمون الاجتماعي كان في بدء الدعوة الإسلامية بمكة قبل الهجرة النبوية، يقف ضمن حدود وعد المؤمنين بالدعوة أن ينالوا الجزاء الحسن في الآخرة والوعيد لرافضي الدعوة ومناهضيها أن يلقوا شديد العقاب يوم القيامة. أي أن الدعوة في تلك المرحلة لم تتجاوز النطاق الأخلاقي و النطاق الغيبي مجردين أولا من الجاذب المادي للضعفاء والمضطهدين والمستثمرين في حياتهم البشرية المباشرة , ومجردين ثانيا من الرادع المادي للذين يمارسون عمليا فعل الاضطهاد والاستثمار مع الفئات الأخرى المستضعفة , فإن مواقف الوعد والوعيد لم تقترن حينذاك بالتشريعات التنظيمية والعملية التي بدأت تظهر عقب الهجرة إلى المدينة وخلال الانتصارات المتلاحقة من بعد , على خصوم الإسلام في مكة ثم في سائر مناطق الجزيرة .
إن ” ردود الفعل ” السلبية التي ظلت تحكم موقف أريستقراطية قريش التجارية من دعوة الإسلام طوال ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة الكبرى إلى المدينة المنورة , كانت تشكل مظهراً أولياً ساذجا من مظاهر الوعي الطبقي يشبه ردود الفعل الانعكاسية العضوية . لقد كان هذا الموقف انعكاسا عفوياً من إثر صدمة المفاجأة التي أحدثتها نداءات الإسلام الأول بالدعوة إلى نبذ الأصنام نبذا مطلقا وحصر الإيمان الديني كليا في الإيمان بالله الواحد الأحد الملك الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد , مع السخر والهزوء بكل الأصنام التي يعبدون و تسفيه عبادتهم إياها دون هوادة .
فقد استثارت هذه النداءات شعور كبار تجار قريش بالخطر يهدد مصالحهم المادية المباشرة , إذ عبادة الأصنام وهي مجتمعة في الكعبة بمكة كانت من أهم مصادر الربح المادي لهذه الفئة.إذ جعل ذلك مكة مقصدا لمختلف قبائل الشمال الغربي والشمال الشرقي من الجزيرة بالأقل.وإذ جعل ذلك أيضا مواسم الحج إلى الكعبة مجتمع الأصنام, استقطابا بالأعظم النشاط التجاري والتعامل الربوي ربحا وأكثر دعما لزعامة أركان ” دار الندوة ” المكية أي لذلك الشكل الجديد من السلطة ” السياسية ” لسيطرتهم التجارية والمالية .
ذلك وجه من الخطر الذي استشعرته زعامة قريش.و هناك الوجه الآخر لهذا الخطر , وهو الذي يأتي من كون النداءات الإسلامية الأولى هذه. اقترنت بنوع من التعاليم العامة ذات المنزع الأخلاقي والإنساني , كما في الدعوة إلى تخفيف الشقاء المادي عن الفئات الاجتماعية الدنيا وإلى إنصاف الفقراء والمساكين والضعفاء وإلى مساواة الناس في المنزلة عند الله دون تفريق بينهم على أساس من الجنس أو اللون أو الدم والنسب , وكما في الآيات القرآنية الأخرى التي شجبت التعامل الربوي و إحتكار المواد المعيشية وكنز الذهب والفضة , وما إلى ذلك .
إن هذا النوع من التعاليم المكية ومعظمها الطابع الأخلاقي قبل التشريع , قد خلق لدى زعماء ” دار الندوة ” انطباعا أو إيحاء بأن الإسلام جاءهم ليضع ثقله كله في الكفة الأخرى لميزان القوى الاجتماعية الجديدة التي كانت تنمو في مجتمع الجاهلية الأخيرة. والكفة الأخرى هذه تعني كفة الفئات الاجتماعية الدنيا،أي المضطهدين والمستثمرين من قبل الزعامات التجارية والقبلية حينذاك .
إذن من الصحيح القول إن تفجير الأطر القبلية وقيام الإطار التوحيدي كمهمة أولى من مهمات المرحلة التاريخية التي افتتحها ظهور الإسلام , لم يكونا في موقع التناقض مع مصلحة هذه الفئة التي وقفت ثلاث عشرة سنة في وجه الدعوة الإسلامية تناصبها العداء الشرس وهي لا تدري أنها بذلك تؤجل بدء مرحلة تطورها هي،أي تطور هذه الفئة نفسها لتلعب دورها المستقبلي كطبقة أساسية تسهم في بناء المجتمع العربي الإسلامي الذي يأتي . من هنا خطأ رؤية الزعامة القريشية حين أخطأت موقع العلاقة التناقضية بين مصلحتها ” الطبقية” ودعوة الإسلام بمعنى أن خط التطور التاريخي لم يكن يتجه إلى التناقض الذي توهمته هذه الزعامة،بل كان من ضرورات التطور نفسه أن يحصل الذي حصل بالفعل بعد فتح مكة المبارك من مشاركة هذه الزعامة في مسيرة التحولات التاريخية التي أحدثها الإسلام منذ انتصاره في شبه الجزيرة وخروجه إلى الخارطة العالمية لذلك العصر .
















































