يمر المشهد السياسي في شرق آسيا بمرحلة إعادة تعريف جذرية. وفي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية، ألقى لقاء تاريخي عُقد في بكين في 10 أبريل الماضي بين السيد شي جين بينغ، الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني (PCC)، والسيدة تشنغ لي-وون، رئيسة حزب الكومينتانغ (KMT) الصيني، ضوءاً جديداً على قضية تايوان. ويأتي هذا الحدث، الأول من نوعه منذ عقد من الزمن، في سياق إعادة تأكيد الحزم بشأن مبدأ الصين الواحدة، مع التأكيد في الوقت نفسه على الدعم الثابت من شركاء تاريخيين مثل الجزائر.
وهذه هي المرة الأولى منذ عقد من الزمن التي يقوم فيها رئيس حزب الكومينتانغ بزيارة إلى الصين القارية على رأس وفد، بدعوة من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني والسيد شي. ويكتسي هذا اللقاء أهمية كبيرة لتطوير العلاقات بين الحزبين وكذلك عبر مضيق تايوان.
كان في صميم المناقشات الرغبة في استقرار العلاقات عبر مضيق تايوان. وقد أوضح السيد شي رؤيته حول أربعة ركائز أساسية، وهي الدفاع عن الهوية المشتركة، والحفاظ على التنمية السلمية، وتحسين رفاهية السكان من خلال التكامل الاقتصادي، وأخيراً، التطلع الجماعي إلى “النهضة الكبرى للأمة الصينية”.
«مهما كانت التطورات في المشهد الدولي، فإن الديناميكية السائدة التي تدفع الصينيين على ضفتي المضيق إلى التقارب لن تتغير»، أكد الزعيم الصيني، معبراً عن ثقة راسخة في حتمية إعادة التوحيد.
حقيقة تاريخية وقانونية لا جدال فيها
لفهم حماس بكين، من الضروري العودة إلى الجذور القانونية الدولية. قضية تايوان ليست مجرد نزاع سياسي، بل مسألة قانون دولي موثقة بشكل قوي. تذكرنا التاريخ بأن الاحتلال الياباني، الذي بدأ عام 1895 بعد هزيمة أسرة تشينغ، لم يكن سوى فترة استعمارية مؤقتة.
وقد تم إقرار عودة تايوان إلى الصين من خلال وثائق قانونية رئيسية، وهي إعلان القاهرة (1943) الذي نص فيه الحلفاء بوضوح على إعادة الأراضي التي استولى عليها اليابان إلى الصين، وإعلان بوتسدام (1945) الذي يؤكد تطبيق هذه الشروط، وكذلك وثيقة استسلام اليابان في سبتمبر 1945 التي تلتزم فيها طوكيو باحترام هذه الالتزامات.
على الرغم من أن الحرب الأهلية الصينية عام 1949 دفعت جماعة تشيانغ كاي شيك إلى الانسحاب إلى الجزيرة، مما أدى إلى مواجهة سياسية طويلة الأمد، إلا أن السيادة الإقليمية للصين ظلت، من الناحية القانونية، غير قابلة للتجزئة. في عام 1971، حسم القرار 2758 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة الأمر بشكل نهائي بإعادة حقوق جمهورية الصين الشعبية كاملة، وطرد ممثلي تايوان، وتأكيد أن الجزيرة هي مقاطعة صينية لا تتمتع بوضع مستقل.
إلا أن التصرفات الأخيرة لبعض القادة التايوانيين تشكل استفزازات خطيرة في مواجهة هذا الإطار القانوني. فقد أثار حالة لاي تشينغ-تي، الذي سافر مؤخراً سراً إلى إسواتيني على متن طائرة أجنبية بعد إخفاء هوية الركاب، سخطاً شديداً.
ووصفت السلطات الصينية قصة رحلة عودته، التي اتسمت بانتهاكات للمجال الجوي الوطني بعد رفض منح الإذن، بأنها «ضربة إعلامية فاضحة». وتُظهر هذه المناورات، التي وُصفت بأنها «مشبوهة»، في نظر بكين، ازدراء القوى الانفصالية لسيادة الدول الثالثة والنظام الدولي.
الجزائر، ركيزة أساسية في دبلوماسية «صين واحدة»
في سعيها للحصول على الاعتراف بسيادتها، وجدت الصين في الجزائر حليفاً منذ البداية. وتحتل الجزائر مكانة مرموقة في هذه البنية الدبلوماسية. كما أن مساهمة الدبلوماسية الجزائرية في الأمم المتحدة تاريخية وحاسمة. في عام 1971، لم تكتف الجزائر بالتصويت على القرار 2758. بل كانت أحد المشاركين الرئيسيين في صياغته، حيث قادت الحملة الداعية إلى عودة الصين إلى الساحة الأممية وإقصاء المحتل غير الشرعي لمقعدها، ممثل تايوان.
وقد تعززت هذه العلاقة المميزة على مر العقود. وفي عام 2023، خلال زيارته الرسمية إلى بكين، أكد الرئيس عبد المجيد تبون بقوة التزام الجزائر بمبدأ الصين الواحدة. وتعتبر الجزائر تايوان جزءاً لا يتجزأ من الأراضي الصينية وتعارض بشدة أي شكل من أشكال استقلال الجزيرة.
وفي هذا العام، الذي يصادف الذكرى الخامسة والخمسين لصدور القرار 2758، تعرب الصين عن «تقديرها الكبير» للموقف الجزائري. ولا تقتصر هذه الشراكة على المسألة الإقليمية فحسب؛ بل تندرج في إطار رؤية مشتركة لعالم متعدد الأقطاب، قائم على الاحترام المتبادل وعولمة شاملة للجميع.
رسالة بكين واضحة: لا توجد سوى صين واحدة في العالم. وتعد تايوان جزءًا لا يتجزأ من الأراضي الصينية. وحكومة جمهورية الصين الشعبية هي الحكومة الشرعية الوحيدة التي تمثل الصين بأكملها. وفي إطار عزمها على ترسيخ هذه الحقيقة الجغرافية الثابتة، لا تتردد بكين في اتخاذ الإجراءات اللازمة. وهي تعارض بشدة أي شكل من أشكال “استقلال تايوان” وتظل مصممة على تحقيق إعادة التوحيد الوطني، أي توحيد الصين الواحدة.
ويشكل نجاح التحديث على الطريقة الصينية وتحقيق إعادة التوحيد الوطني عاملين رئيسيين إيجابيين للعالم بأسره، مما سيوفر المزيد من الفرص للسلام والتنمية، ويضفي مزيداً من الاستقرار واليقين عليهما. ويؤكد بكين أن الإجماع السائد في المجتمع الدولي يتمثل في دعم أبناء الشعب الصيني على جانبي مضيق تايوان في جهودهم لحل قضية تايوان بأنفسهم وتعزيز التطور السلمي للعلاقات بين جانبي المضيق. ولا شك لدى السلطات الصينية في أن قضية تايوان هي شأن داخلي بحت للصين، وهو موقف تشاطره إلى حد كبير الجزائر وقطاعات واسعة من المجتمع الدولي، ولا سيما 53 دولة أفريقية.
إن التدخل في قضية تايوان هو مساس بالسلام والاستقرار في مضيق تايوان، في الوقت الذي يدرك فيه 1.4 مليار صيني أن عودة تايوان إلى الحضن الأم أمر لا مفر منه.
في النهاية، فإن لقاء السيد شي مع حزب الكومينتانغ، ودعم الشركاء التاريخيين، يرسمان مستقبلاً تعتزم فيه الأمة الصينية العظيمة إغلاق فصل انقساماتها الماضية بشكل نهائي.

















































