ملحمة تأميم المحروقات: نفحة من السيادة

p4 2026 02 23T193749.218 e1771873000952 I Le Jeune Indépendant عربي

لم تكن سيادة الجزائر لتكتمل دون استعادة كامل سلطتها وسيطرتها على القطاع الاقتصادي، ولا سيما الموارد الطبيعية التي تزخر بها البلاد. هذا هو الاعتقاد الذي حفز الجمهورية الجزائرية الفتية التي كانت قد نالت استقلالها للتو.  

اتُخذ القرار، وبدأت الجزائر في تنفيذه في 24 فبراير 1971، خلافاً لتوقعات فرنسا، مما أدى إلى زعزعة مصالحها في مجال الطاقة. وبجملة واحدة، اتخذ مصير قطاع الطاقة مساراً آخر. “قررنا تأميم المحروقات”، أعلن رئيس الجمهورية آنذاك، هواري بومدين. بدأت حقبة جديدة، حقبة استعادة الجزائر لسيادتها على نفطها وغازها التي كانت تعتبر آنذاك “ملكية خاصة” لشركات النفط الفرنسية.

أعلن الراحل هواري بومدين هذا القرار الجريء في دار الشعب في الجزائر العاصمة، مقر الاتحاد العام للعمال الجزائريين (UGTA)، الذي كان يحتفل بعيده الخامس عشر، مما سمح للجزائر باستعادة السيطرة على مواردها الطبيعية واسترداد ثروتها النفطية، وبذلك وضع عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد على المسار الصحيح.

التحدي، الذي ليس بالهين، تم طرحه وتصدى له خبراء جزائريون “مسلحون بالعزيمة”، الذين كانوا على مستوى المسؤولية. ما كان يُعتبر مستحيلاً، لا سيما من قبل الفرنسيين نظراً لطبيعة قطاع النفط المعقدة، أصبح ممكناً بفضل فرق جزائرية ملتزمة، مدعومة من أصدقاء البلاد من خلال الدعم التقني.

في فرنسا، يُنظر إلى تأميم المحروقات على أنه صفحة مؤلمة من تاريخ الطاقة. ويرتبط الاستيلاء على الشركات الفرنسية بنهاية المرحلة الطويلة من الازدهار الاقتصادي التي بدأت بعد الحرب.

بالنسبة للجزائر، كان قرار استعادة السيادة على ثرواتها الطبيعية، من نفط وغاز موجودين في باطن الأرض، قراراً طبيعياً. وهو قطاع سيحقق عائدات كبيرة ويسمح بإطلاق برامج تنمية البلاد.

منذ هذا الإعلان، تم تكليف شركة سوناطراك باحتكار توزيع هذه المنتجات وغيرها من مشتقات المحروقات السائلة والغازية في الجزائر، فضلاً عن تخزينها ونقلها.

وهكذا، سمح قرار تأميم المحروقات للجزائر بالحصول على ما لا يقل عن 51٪ من حصص الشركات الفرنسية التي كانت تعمل في جنوب البلاد، حيث كانت تعمل أيضًا شركات متعددة الجنسيات كبيرة أخرى (BP، Esso، Shell، Mobil…). كما فُرض على الشركات الأجنبية الدخول في شراكة مع سوناطراك حتى تتمكن من الاستثمار في أنشطة البحث والإنتاج.

وأعقب قرار تأميم المحروقات مرسوم تم توقيعه في 12 أبريل 1971، يسن القانون الأساسي للمحروقات، الذي حدد الإطار الذي يجب أن تمارس فيه الشركات الأجنبية أنشطتها في مجال البحث والإنتاج في مجال النفط والغاز في الجزائر. هناك تاريخ آخر يجب تذكره أيضًا، وهو 19 أغسطس 1986، الذي شهد إصدار أول قانون بشأن قطاع النفط، والذي تميز بانفتاح في قطاع النفط الأولي، في سياق أزمة النفط التي أدت بالبلاد إلى أزمة مالية خطيرة.

تم تعديل القانون لاحقًا في عام 1991 ليشمل التنقيب عن الغاز الطبيعي واكتشافه. في عام 2005، صدر قانون جديد بشأن المحروقات بهدف تحديث النظام الضريبي وجذب المستثمرين الأجانب.

وبعد عام، أي في عام 2006، تم تعديل القانون واستعادت شركة سوناطراك دورها كلاعب رئيسي يضمن احتكار الدولة للقطاع، مع الالتزام بحصة مشاركة لا تقل عن 51٪ في كل مشروع بحث وإنتاج للهيدروكربونات يتم التعاقد عليه. نظراً للنتائج المتباينة لقانون المحروقات، تم سن تعديل جديد في عام 2013، مما سمح بإدخال حوافز جديدة لتحسين الجاذبية.

ثم تم تزويد القطاع بقانون آخر، وهو قانون عام 2019، لمعالجة تباطؤ جهود الاستكشاف، لا سيما في إطار الشراكات، في سياق جديد يتسم بانخفاض هيكلي في أسعار النفط. وبالتالي، فقد تم تكييف الإطار القانوني على مر السنين، ولا سيما وفقًا للسياق الوطني والدولي.