ببالغ الحزن والأسى، نودع اليوم قامة إعلامية ووطنية فذة، غادرنا جسداً وبقي فينا أثراً. ولكننا لا نؤبن اليوم الصحفي والمسؤول فحسب، بل نؤبن “ابن القصبة البار”، ذلك الرجل الذي حمل أزقتها في قلبه أينما حل وارتحل.
لقد كان يوسف زرارقة يرى في القصبة أكثر من مجرد حي عتيق؛ كان يراها الروح النابضة للجزائر، والخزان الذي لا ينضب لقصص المقاومة والشموخ ضد الاحتلال الفرنسي. في مدارسها وبين جدرانها المليئة بعبق التاريخ، نهل دروسه الأولى، ليس فقط في الكتب، بل في مدرسة الحياة والوطنية .
انغمس يوسف أزقتها الضيقة يتقفى أثر كبار الشخصيات الثورية التي صنعت مجد الجزائر، وفنانين صاغوا هويتها الثقافية. كان جسراً يربط بين جيل التحرير وجيل البناء.
لم تكن الزيارة إلى القصبة تحلو إلا برفقته؛ فمعه تتحول الحجارة إلى حكايات، والزوايا إلى ملاحم. كان يقرأ تاريخها كما يقرأ كفه، ويستحضر أسماء أبطالها ومبدعيها بكثير من الإجلال والحب.
دافع عن الثقافة الوطنية بنفس الشراسة التي دافع بها عن تاريخ الجزائر مؤمناً أن من لا جذر له في “المحروسة” لا فرع له في المستقبل.
يرحل يوسف اليوم، وتفقد القصبة واحداً من أعظم عشاقها، ورجلاً كان يختزل في حديثه كبرياء “دار السلطان” وعمق “سيدي عبد الرحمن”.
نَم قرير العين يا يوسف، فقد أديت الأمانة، وستبقى ذكراك عطرة كنسيم البحر الذي يداعب أسطح القصبة التي أحببتها حتى النَفَس الأخير.




















































