مع ما يقارب 270 حالة طلاق يومياً، وارتفاع معدلات تعاطي المخدرات، وتفشي حالات الضعف، يتداعى النسيج الأسري الجزائري تحت وطأة الضغوط الاقتصادية. نلقي نظرة على التقرير المقلق الذي أعدته مؤسسة «صناعات الغد»، التي تدعو إلى إعادة صياغة شاملة لنماذج السكن والدعم الاجتماعي لدينا. تعاني الأسرة الجزائرية من أزمة عميقة.
تستمر التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها الجزائر في التأثير بشدة على استقرار الأسر. هذا هو نداء الاستغاثة الذي أطلقه في الجزائر العاصمة بشير مسيتفا، الخبير الاقتصادي ورئيس مؤسسة “صناعات الغد”، خلال مؤتمر علمي نظمته الجمعية الوطنية للتضامن والتماسك الأسري. وبالنسبة للخبير، فإن استقرار الخلية الأسرية اليوم لا ينفصل عن التماسك الاجتماعي برمته.
وفي كلمته حول موضوع “التماسك الأسري”، رأى الخبير الاقتصادي أن مشكلة الأسرة الجزائرية لا يمكن فصلها عن مشكلة التماسك الاجتماعي ككل. ووفقاً له، فإن التحولات التي أحدثها الانتقال إلى اقتصاد السوق قد غيرت بشكل عميق العلاقات الاجتماعية وأنماط الحياة والهيكل الأسري التقليدي.
«لقد شهدت الأسرة الجزائرية تحولاً سريعاً»، كما أوضح، مشيراً إلى الانتقال التدريجي من نموذج الأسرة الممتدة، القائم على التضامن بين الأجيال، إلى نموذج الأسرة النووية، الأضيق نطاقاً والأكثر عرضة للصعوبات الاقتصادية والاجتماعية. وعزا هذا التطور إلى عدة عوامل، لا سيما أنماط السكن الجديدة، والتحولات الحضرية، وقيود السكن، والتغيرات في أنماط الحياة التي تفرضها الحداثة.
وقدم ميساتفا عدة مؤشرات يعتبرها دلالة على الضعف التدريجي للنسيج الاجتماعي والأسري في الجزائر. ومن بين الأرقام التي قدمها حالات الطلاق، التي تقدر بنحو 270 حالة انفصال يومياً على الصعيد الوطني. وهي ظاهرة تعكس، حسب قوله، التوترات المتزايدة داخل الأسر.
كما أشار المتحدث إلى تزايد حالات الهشاشة الاجتماعية والضعف الأسري، محذراً في الوقت نفسه من انتشار الإدمان والسلوكيات المنحرفة. ووفقاً للبيانات المقدمة، يبلغ عدد الأشخاص المتأثرين بأشكال مختلفة من إدمان المخدرات حوالي 3.8 مليون شخص، في حين لا تزال ظواهر الفقر والحرمان تؤثر على العديد من الأسر.
وتشير الإحصاءات المذكورة أيضًا إلى ما يقرب من 400 ألف حالة من حالات التوحد وحوالي 1.2 مليون شخص من ذوي الإعاقة، الأمر الذي يستلزم، حسب قوله، تعزيزًا عاجلاً لآليات الدعم الاجتماعي والصحي.
كما أشار المتحدث إلى حوالي 800 ألف حالة من الأيتام والأرامل المسجلين في جميع أنحاء البلاد، بالإضافة إلى حوالي 45 ألف طفل يتم رعايتهم في إطار برنامج رعاية الأطفال.
ومن البيانات الأخرى التي تعتبر مقلقة عدد العزاب الذين تزيد أعمارهم عن 25 عامًا، والذي يقدر بنحو 11 مليون شخص، وهو ما يعزى، حسب قوله، إلى الصعوبات الاقتصادية وأزمة السكن وارتفاع تكاليف الزواج.
كما حذر من حجم ظاهرة التسرب من المدارس، حيث يتم تسجيل ما بين 200 ألف و400 ألف حالة سنوياً، معتبراً هذه الظاهرة أحد العوامل الرئيسية للضعف الاجتماعي والانحراف.
كما تمت مناقشة تزايد شيخوخة السكان، حيث يبلغ عدد المسنين المسجلين ما يقرب من 5 ملايين شخص، بالإضافة إلى حوالي 10 آلاف حالة لأمهات عازبات وما يقرب من 970 ألف ولادة جديدة يتم تسجيلها سنويًا.
دعوة إلى تحرك وطني
في ضوء هذه الحقائق، دعا بشير مسيتفا إلى وضع استراتيجية وطنية شاملة تستند إلى الوقاية الاجتماعية والتضامن الأسري وتعزيز التماسك المجتمعي. ومن بين الحلول المقترحة، دعا إلى العودة إلى قيم الأسرة الممتدة، التي يعتبرها حصناً ضد العزلة الاجتماعية والأزمات الأسرية.
كما أوصى بإنشاء “خلية وطنية للرصد الاجتماعي” تابعة للقطاع المسؤول عن شؤون الأسرة، من أجل ضمان المتابعة المستمرة للظواهر الاجتماعية الناشئة.
وأكد الاقتصادي على ضرورة تحسين جودة التعليم والتدريب والإرشاد الديني ووسائل الإعلام العائلية، داعياً في الوقت نفسه إلى سياسة أكثر طموحاً لمكافحة الجريمة والمخدرات والعنف داخل الأسرة.
وفي السياق نفسه، شدد على أهمية تحسين نوعية الحياة من خلال تطوير البنى التحتية الثقافية والرياضية، ولا سيما المكتبات والمسارح والصالات الرياضية والمسابح والمراكز المتخصصة في علاج الإدمان ومرافقة المراهقين.
وفي معرض حديثه عن مسألة التخطيط الحضري، رأى بشير مسيتفا أن نماذج السكن الحالية تساهم في عزل الأسر وإضعاف الروابط الاجتماعية.
ودعا إلى “إعادة التفكير في هندسة الإسكان والمدينة” من أجل تشجيع العودة إلى أشكال السكن التي تسمح بإعادة خلق مساحات للتضامن الأسري والتقارب الاجتماعي.
وأخيراً، دعا إلى الوقف الفوري لحالات الاستبعاد من المدارس ووضع آليات فعالة لمكافحة التسرب المدرسي، الذي يعتبره تهديداً مباشراً لمستقبل البلاد الاجتماعي والاقتصادي.

















































