تشهد وتيرة التوسع البطيء ولكن الحازم للكيان الصهيوني في شمال إفريقيا مرحلة جديدة، هذه المرة عبر البوابة الرمزية والثقافية. فقد أعادت فئة من الطائفة اليهودية المغربية، بدعم من شبكات قريبة من المخزن ودوائر نافذة مرتبطة باتفاقات أبراهام، طرح مطلب الاعتراف الرسمي برأس السنة اليهودية، “روش هشانا”، كعطلة وطنية رسمية في المغرب.
وقد تناقلت وسائل إعلام مغربية عديدة، مثل “هسبريس” و”Tanja24” و”أنباء TV” و”iNews”، هذا الخبر الذي يعكس هجوماً ناعماً ولكن ذا دلالات خطيرة، يتمثل في ترسيخ الصهيونية بشكل رمزي داخل النسيج المؤسساتي المغربي. الحدث الذي فجّر هذا النقاش أقيم مؤخراً في مدينة مراكش خلال ندوة نظمتها “أكاديمية اليوسي” (المرتبطة بالحركة الشعبية)، حيث دعا الحاخام جاكي كادوش، رئيس الطائفة اليهودية في جهة مراكش، إلى منح “روش هشانا” نفس المكانة التي تحظى بها أعياد وطنية أخرى مثل رأس السنة الهجرية والميلادية والأمازيغية.
ليست هذه المرة الأولى التي يُطرح فيها هذا الطلب، لكن الجديد هو السياق الجيوسياسي والإيديولوجي الذي تبلور بعد توقيع اتفاقات أبراهام. فبإقدامه على تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني سنة 2020، برعاية أمريكية وإماراتية، فتح المغرب باباً يحاول الكيان الآن توسيعه تحت شعار التعددية الدينية والاعتراف بالتنوع.
قناع التعددية
منذ تعديل الدستور المغربي سنة 2011، بدأ المغرب يقدّم نفسه كدولة تعددية تُبرز الإرث العبري كأحد مكونات الهوية المغربية. وقد تعزز هذا التوجه بإقرار رأس السنة الأمازيغية “يناير” كعيد وطني سنة 2023، وهو قرار رمزي هام نال إشادة واسعة، لكنه اليوم يُوظّف كمقدّمة لمطالب هوياتية أخرى. غير أن مطلب رأس السنة العبرية يتجاوز البُعد الثقافي البحت.
فالمبادرون بهذه الخطوة لا ينطلقون فقط من موقع ديني أو مواطني، بل يندرجون ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إدماج الكيان الصهيوني داخل المشهد الإفريقي، والمغاربي تحديداً. ومن خلال إعطاء شرعية مؤسساتية لرموز دينية مرتبطة بالهوية الصهيونية، يفتح المخزن باباً جديداً لتغلغل “إسرائيل” في القارة.
اتفاقات أبراهام: الذراع السياسي للاختراق
المنطق الكامن وراء هذه المبادرة واضح: ترسيخ الحضور الإيديولوجي والثقافي والاقتصادي للكيان الصهيوني في المغرب، عبر استغلال شعارات الحوار بين الأديان واحترام الأقليات. لكن خلف هذه المصطلحات الجذابة، تكمن عملية سياسية مدروسة بعناية.
إن الجهات الراعية لهذا التوجه، وعلى رأسها الدوائر الدبلوماسية الأمريكية والإماراتية والصهيونية، تسعى إلى جعل المغرب منصة انطلاق نحو العمق الإفريقي. وسيكون ترسيم “روش هشانا” كعطلة وطنية بمثابة إشارة قوية، ومصادقة ضمنية على هذا التوغل. ذلك من شأنه أن يعزز الفكرة القائلة إن المغرب لم يعد مجرد شريك اقتصادي أو أمني لـ”إسرائيل”، بل أصبح فضاءً مغزوًا ثقافياً، خطوة بعد خطوة.
ذاكرة مُسَيَّسة
تبرر الأوساط القريبة من المخزن هذه الخطوة بالحرص على حفظ الذاكرة اليهودية المغربية وتعزيز قيم العيش المشترك. لكن، حتى هنا، تبدو النوايا مزدوجة. فالإشادة بإسهامات المواطنين المغاربة اليهود، الذين هاجر كثير منهم إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لا تعني بالضرورة منح الشرعية لأجندة الكيان الصهيوني الذي يسعى اليوم إلى توظيف هذه الذاكرة لتبرير سياساته الاستيطانية وتوسعه في العالم العربي.
خطر التصدع الرمزي
السعي إلى ترسيم “روش هشانا” لا يتعلق فقط بتعديل بسيط في تقويم الأعياد، بل يطرح مسألة أعمق تتعلق بالسيادة الرمزية والثقافية لدولة تقف عند مفترق طرق. فحين تُساوى مناسبة دينية مرتبطة بمشروع صهيوني بأعياد وطنية مثل رأس السنة الأمازيغية التي نُزع الاعتراف بها بعد نضال طويل، فإن المغرب يُعرّض رموزه لهشاشة خطيرة.
وقد يُفاقم هذا التوجه من شعور التوتر داخل مجتمع مغربي تُشكل الغالبية المسلمة فيه قاعدة صلبة للتضامن مع الشعب الفلسطيني، كما ترفض التطبيع المبطّن تحت غطاء التسامح.
هل المغرب بصدد التحول إلى منصة انطلاق المشروع الصهيوني في شمال إفريقيا؟
سؤال يستحق أن يُطرح في ضوء هذه الإشارات المتفرقة، لكنها محمّلة بالدلالات. فمن وراء الاعتراف الرمزي بعطلة دينية، يُبنى مشروع تمركز استراتيجي شامل، بمباركة مخزن يبدو مستعداً للتخلي عن ثوابته التاريخية مقابل شراكات جيوسياسية جديدة.






















































