من اليأس إلى الأمل: البديل الجزائري للتخلص من ظاهرة الحَرْقة

كيف تكون الدبلوماسية حلا للهجرة غير الشرعية ؟

illegal immigrants I Le Jeune Indépendant عربي
محمد قحش خبير إقتصادي و محلل سياسي واشنطن – الولايات المتحدة الأمريكية
محمد قحش خبير إقتصادي و محلل سياسي واشنطن – الولايات المتحدة الأمريكية

لم يعد تشريح ظاهرة الهجرة غير الشرعية أو ما يعرف اصطلاحا بالحرقة، بوصفها ظاهرة عالمية عابرة للحدود والقارات والعصور، وتعتبر أحد الطرق التي يلجأ إليها الفرد للهروب من  وطنه الأصلي إلى وطن أجنبي  يحظى فيه بميزات اجتماعية واقتصادية وحتى أمنية قد تكون أحسن، فهذه الظاهرة  تشكل نوعا من التمرد لأنها ممنوعة ومجرمة من الناحية القانونية في كل الدول. للبحث عن أسبابها وكذا الدوافع التي تقف وراءها والتي أدت إلى تفاقمها وتزايد حدتها بل أخدت أبعادا خطيرة في الجزائر و في العديد من بلدان العالم،  بل إن الوضع  بات يفرض ضرورة تكريس الجهود أكثر للبحث عن حلول مستعجلة وناجعة لوقف نزيف هذه المأساة الحقيقية، التي تواصل حصد المزيد من الأرواح في عرض البحر، وحرق قلوب الآلاف من عائلات الحراقة.

في مواجهة هذه المأساة المستمرة، لا بد من تكثيف الجهود على جميع المستويات، المحلية والإقليمية والدولية  لإيجاد حلول مستدامة وإنسانية وفعالة. ولا يقتصر الأمر على إنقاذ الأرواح فحسب، بل يشمل أيضًا استعادة الأمل في مجتمعات المنشأ، وخاصة بين الشباب، الذين يُشكلون المحرك الرئيسي لهذه الهجرة غير النظامية.

رؤية استراتيجية واقتراحات لوقف نزيف الحرقة

ففي المجتمع الجزائري مثلا، تفاقمت ظاهرة الحرقة وانتشرت بشكل كبير، لعوامل عدة ساهمت في حدتها، أهمها الأزمة السياسية والأمنية والاقتصادية التي شهدتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، والتي لا تزال تداعياتها تلقي بظلالها إلى يومنا هذا، بالإضافة إلى تأثير القنوات الأجنبية ووسائل التواصل الإجتماعي وسيطرة المذهب البرغماتي النفعي، الذي جعل فئة الشباب تبحث عن الطرق السهلة والربح الوفير والسريع لتحقيق أحلامها، بعدما فقدت الأمل في شراء سيارة أو اقتناء أحدث هواتف “آيفون” !! لكن إذا دققنا في الأسباب التي تقف وراء تفشي هذه الظاهرة، نجدها ترتبط ارتباطا وطيدا بالوضع المالي والإجتماعي السائد، هناك البطالة مثلا، وانعدام فرص الحصول على عمل لائق، أو بسبب الأجر المتدني الذي لا يغطي المصاريف العائلية العالية، كما أن  رفض طلبات التأشيرات زاد الطين بلة وساهم بشكل كبير في رفع نسب الحراقة إلى مستويات قياسية، علما أن تكاليف طلبات التأشيرات الخاصة بفضاء شنغن للجزائريين التي تم رفضها قد وصلت في سنة 2023 إلى 13 مليون أورو وفي سنة 2024 إلى 15.7 مليون أورو، وهي الأعلى في إفريقيا على الاطلاق !! وأمام هذا الوضع، لم يبق سبيلا آخر للانتقال إلى أوروبا، إلا الهجرة غير الشرعية أي “الحرقة”، ولو كلفهم ذلك السجن أو الموت والهلاك.

إن عواقب ونتائج الهجرة غير الشرعية “الحرقة” كبيرة جدا ومدمرة، لأن فقدان فرد أو عائلة بأكملها في البحر ليس بالشئ الهين، بل كارثة بكل المقاييس، بغض النظر عن جريمتها القانونية، فتأثيرها على عائلات الضحية وكذا أفراد المجتمع الجزائري كبير جدا، ناهيك عن صداها إعلاميا وتأويلها على الصعيد العالمي وما له من تأثير سلبي على الوطن والمواطن، وهنا نستحضر قوله تعالى في سورة المائدة: “من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”، ومعنى هذه الآية الكريمة هو “من أحيا نفسا كأنما أحيا الناس جميعا”. فالدول والشعوب تتعامل مع بعضها طبقا لمصالحها الاقتصادية والأمنية والإجتماعية والديبلوماسية، فالعالم أصبح فضاء بلا حدود، يتنقل فيه الأفراد من بلد إلى آخر من أجل طلب العلم أو البحث عن عمل الذي يناسبهم ويحقق طموحاتهم أو بداعي المغامرة والاكتشاف، بغض النظر عن الدولة التي ينتمون إليها، وقد يكون هذا الفرد أمريكيا يفضل العمل في دول الخليج أو أوروبا أو آسيا، كما يمكن أن يكون من دولة نامية أو فقيرة أو من بؤر التوتر والحروب، يريد خوض تجربة جديدة في الحياة بأمريكا أو أوروبا أو في الخليج…ولمجابهة هذه الظاهرة، أوجدت الكثير من الدول حلولا لها لإخراجها من حالة غير الشرعية ومنحها صفة شرعية، وهذا من خلال إستيراد وتصدير العمالة ) أي اليد العاملة(، في ظل طلب الدول المتزايد على اليد العاملة الفنية وغير الفنية لورشاتها ومصانعها، بل هناك دول استطاعت أن تربط علاقات أخوية وديبلوماسية واقتصادية قوية عن طريق تصدير يدها العاملة، لصعوبة أو لانعدام مناصب شغل لديها، أو لقلة المناصب بالنظر إلى كثافتها السكانية المرتفعة، وعليه يمكن اعتبار عملية تصدير واستيراد العمالة في هذه الحالة، الحل الأمثل لظاهرة الحرقة للخروج من نفقها المظلم بطريقة آمنة وسلسة قائمة على مبدأ رابح – رابح.

بالنسبة للجزائر التي تسير بخطى ثابتة وواثقة في طريق النمو، وبالنظر إلى الورشات الكثيرة والمتعددة المفتوحة في جميع القطاعات، فلا خوف على أبنائها إذا سافروا وعملوا واجتهدوا واكتسبوا الخبرة العالمية  وطوروا من أنفسهم ومن مهاراتهم المهنية في دول أخرى أكثر تطورا، لأنهم سيعودون إليها يوما ما وكلهم عزم على نقل خبراتهم والمشاركة في تنمية وتطوير وازدهار وخدمة وطنهم الأم التي ستصبح في هذه الحالة الرابح الأكبر…لابد من الأخذ بعين الاعتبار أن الشباب يشكلون نسبة معتبرة ومهمة من السكان في الجزائر، وأغلبهم يتقاسمون نفس الحلم والطموح، ألا وهو السفر نحو الخارج، من دون حتى الاجتهاد قليلا في البحث عن عمل يناسبهم في بلادهم. فكيف يمكن للدولة أن تساعدهم في هذه الحالة ؟ دون المجازفة في عرض البحر، وحتى لو نجحوا في تجاوز خطر الأمواج، فالجهة الأخرى من البحر ليست مظمونة وغير مؤمنة ومصيرهم مجهول.

الدبلوماسية الجزائرية والهجرة الشرعية

وجوب تدخل الدولة لعكس معادلة الهجرة غير الشرعية والسهر على تحويلها إلى هجرة شرعية، من خلال مباشرة المفوضات مع الدول التي تبحث عن العمالة من دول أخرى، وهذا ما نراه في الكثير من دول العالم التي أصبحت رائدة في تصدير اليد العاملة، فالعمالة المنتظمة تساعد على حفظ حقوق المواطن في البلد المضيف من جهة، و مصدرا للعملة الصعبة من جهة أخرى.

 العمالة المنتظمة..إبرام اتفاقيات بين الدول:

هذا ما نجده ساريا في الكثير من الدول العربية والإفريقية والآسياوية، بين وزارة العمل أو عن طريق مكاتب حكومية خاصة لتصدير اليد العاملة، والدول التي هي في حاجة ماسة لليد العاملة، مثل دول الخليج وكذا دول الإتحاد الأوروبي، وكندا والولايات المتحدة الأمريكية و غيرها. وحسب بيانات مركز الإحصاء الخليجي لسنة 2024، فقد بلغ إجمالي عدد القوى الأجنبية العاملة في دول الخليج 31.7 مليون عامل. يعني أن النسبة الأكبر من القوى العاملة تتكون من الوافدين الأجانب، هذا الواقع يعكس اعتماد دول الخليج الكبير على العمالة الوافدة من الخارج، خاصة في القطاعات التي تتطلب مهارات متخصصة، إلى جانب نقص المهارات بين مواطنيهم ، حيث تشترك كل البلدان الخليجية في اعتماد نظام الكفالة لضبط عملية تدفق العمالة و منحها الصبغة القانونية.

أما الولايات المتحدة الأمريكية فهي بحاجة ماسة لليد العاملة في جميع المجالات لرفض الكثير من الأمريكيين للاعمال البسيطة والمتعبة فلها نظام القرعة للإقامة الدائمة، و تأشيرات الرعاية  للعمالة الأجنبية حسب الإختصاصات و المؤهلات التي تحتاجها الشركات الأمريكية، إلى جانب التسوية المتواصلة  للحراقة الذين يدخلون الأراضي الأمريكية برا القادمين من المكسيك او دول أمريكا الجنوبية، والذين تتوفر فيهم شروط الإقامة و العمل، و المساهمة في الإقتصاد الأمريكي. أما الجارة الشمالية كندا فهي تتبع نظام العمالة الإنتقائية، حيث تشجع المهاجرين و العمال المتعلمين، الأصغر سنا و ذوي الخبرة.

في حين تعاني معظم الدول الأوروبية من نقص في اليد العاملة الشبابية والمؤهلة، ما جعل أزمة العثور على عمال من ذوي المهارات المهنية تزداد حدة، ومن أهم الأسباب التي جعلت أوروبا تتخبط في هذا المشكل، هو انخفاض معدلات الولادة لديها، والارتفاع المتواصل لنسبة الشيخوخة في أوساط سكانها، حيث كشفت الاستطلاعات أن 54٪ من الشركات الصغيرة والمتوسطة في الإتحاد الأوروبي تجد صعوبات في العثور على موظفين مؤهلين ممن يتمتعون بالمهارات المطلوبة، وقبل ذلك، سجل انخفاض عدد سكان الاتحاد الأوروبي في سن العمل من 269 مليون في سنة 2012 إلى 264 مليون في سنة 2021،  ومن المتوقع فقدان 35 مليون شخص إضافي بحلول 2050. إن هذا النقص في اليد العاملة يحد حتما من إنتاجها، وبالتالي تدهور وضعها الاقتصادي، في حين يساهم العمال المهاجرون من خارج الاتحاد الأوروبي إلى حد كبير في سد هذا النقص أو بالأحرى هذا العجز، وهناك ملايين من الوظائف الشاغرة في كل أنحاء أوروبا في جميع الميادين، و حتى الأعمال البسيطة. ورغم ظهور الخطاب المناهض للهجرة الذي يروج له اليمين المتطرف، إلا أن هناك ترحيب صامت بالمهاجرين، واعتراف خفي بحقيقة مفادها أن الشركات الأوروبية في حاجة إلى العمال الأجانب لإبقاء قدرتها على التنافس.

ربط التكوين المهني في الجزائر بدول الإتحاد الأوروبي

تعتزم ألمانيا، إصدار 200 ألف تأشيرة للعمال المهرة هذه السنة من خارج الاتحاد الأوروبي، وتهدف هذه الأداة إلى تسهيل انتقال العمال المؤهلين إلى ألمانيا، دون اشتراط وجود عقد توظيف مع رب العمل. ومع ذلك فإن الشرط الأساسي للحصول على عمل هو تلقي المهاجر او العامل الأجنبي تدريبا مهنيا أو حصوله على شهادة جامعية أو حرفية في بلده، فألمانيا بحاجة لنحو 400 ألف مهاجر سنويا. علما أن أغلب الدول الأوروبية تسير على خطى ألمانيا في إصدار الآلاف من تأشيرات العمل للمؤهلين في القطاعات المطلوبة. وهنا يأتي دور وزارة التكوين المهني في الجزائر، الذي يتعين عليها ربط علاقات دبلوماسية واقتصادية مع مؤسسات دول الإتحاد الأوروبي في جميع الاختصاصات، لأن الاقدام على هذه الخطوة، سيتوافد الجزائريين على قطاع  التكوين المهني  من أجل الحصول على التدريب المهني المؤهل للحصول على عقد عمل محدد عن طريق الهجرة الشرعية دون الإنتحار في امواج البحر. فالمصالح الاقتصادية والدبلوماسية بين الدول هي التي توطد و تقرر إبرام إتفاقيات العمالة وقد تكون لكلا الطرفين حسب المؤهلات و الإختصاصات. فليس عيبا أن  تصدر دولة ما عمالها إلى دولة أخرى التي هي بحاجة ماسة لليد العاملة، فالصين مثلا، لها مشاريع كبرى في كل دول العالم بصفة عامة والجزائر بصفة خاصة، ومن شروط  الصين هو جلب أكبر عدد من اليد العاملة الفنية وغير الفنية، حتى تساعد الإقتصاد الصيني وتقضي على نسبة من البطالة في بلادها…وعليه، من الضروري أن تعزز الجزائر علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع دول الشمال – الإتحاد الأوروبي – من أجل إرسال العمالة الجزائرية بطرق شرعية لوضع حد للحرقة نحو أوروبا، التي بلغت مستويات قياسية، لأن هذا سيخدم مصلحة البلدين.

اليد العاملة الشرعية…شمال – جنوب

في الجزائر نجد نسبة كبيرة من الحراقة الأفارقة، ففي السابق كانت بلادنا بالنسبة لهم محطة عبور إلى أوروبا، لكن سرعان ما تغيرت الأمور خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الجزائر وجهة للاستقرار للحراقة الأفارقة، بعدما وجدوا فيها العمل والأمان، فالشركات الجزائرية في قطاعي البناء والفلاحة، لاسيما في الصحراء الكبرى لم تجد اليد العاملة المحلية، فاستعانت باليد العاملة الإفريقية.

لا تختلف الجزائر عن الدول الأوروبية في حاجتها الماسة إلى اليد العاملة الشرعية في ورشاتها الكبرى مثل مشروع الحديد في غار جبيلات بتندوف، والفوسفات في تبسة، والذهب في تمنراست، والمشروع المستقبلي الضخم للغاز الصخري والفلاحة في الشمال و الجنوب وغيرها من الورشات المفتوحة عبر التراب الوطني، وهنا يمكن للجزائر أن تربط علاقات دبلوماسية و اقتصادية مع دول إفريقية صديقة، لاستيراد ما يلزمها من العمالة الإفريقية ولو بعقود قصيرة ومحددة، تخفف من بطالة هذه الدول من جهة، وتقضي على الحرقة الإفريقية غير الشرعية في الجزائر من جهة أخرى، ففي هذه الحالة يقوم العامل الأجنبي بدفع كل الضرائب المترتبة عليه أو من عامله، و يصبح المجتمع أكثر أمنا وأمانا.

العمالة الشرعية و العلاقات الدولية

العلاقات الديبلوماسية تقوم على توطيدها المصالح الإقتصادية، والعمالة المؤهلة هي إحدى هذه الأدوات الفاعلة والتي تعتمد عليها الدول لضمان سيرورتها و تنافسها، في حين تصدرها البلدان ذو الكثافة السكانية العالية ونقص فرص العمل فيها فتساعدها على ضبط وإمتصاص بطالتها وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وجلب العملة الصعبة، مما يؤهلها على التركيز في تطوير منشأتها و بنيتها التحتية. فالعمالة تعزز التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي و الإجتماعي والدبلوماسي مع الدول المستضيفة لأبنائها، أو الدول التي تصدر يدها العاملة، والذي يؤدي في الأخير إلى تقليص الهجرة غير الشرعية والقضاء على الحرقة.