هدي المنّان إلى أسرار رجب وشعبان للشيخ الطاهر بدوي

071308 2 I Le Jeune Indépendant عربي

مقدمــة
لقد منّ الله تعالى على الأمة المحمدية بكرامتين جليلتين:
أولاهما: الإسـراء والمعراج بجسد الرسـول الكريم صلى الله عليه وسلم وروحه الشريفة في سبعة وعشرون من شهر رجب الحرام من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ومن هناك عُرج به إلى السماوات العلى ورأى من آيات ربه الكبرى… هذا الشهر الذي تصب فيه رحمات الله على أهل الطاعة صبا والأصم الذي لا يشهد إلا بخير وعلى خير. والذي قال فيه أهل الإشارة رجب ثلاثة أحرف: راء رحمة الله وجيم جرم العبد وجنايته والباء بِرًّا، كأن الله تعالى يقول: ” أجعل جرم عبدي بين رحمتي وبري”. وقال فيه عليه الصلاة والسلام: «رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي».
وثانيتهما: حادثة تحويل القبلة من بيت المقدس المبارك الذي بناه سليمان بن داوود عليهما السلام، إلى المسجد الحرام وذلك في شهر شعبان الذي كان عليه الصلاة والسلام يكرمه بشتى القربات أيمّ إكرام. وينبغي أن ألفت النظر أولا إلى حقيقة بليغة الشـأن وهي بلا ريب الانسجام بين الكرامتين حيث أن من نتائج الأولى فرضية خمسين صلاة ثوابا وخمسا أداء ومن نتائج الثانية أن ألبستهـا تاج الاستقبال إلى القبلة الأصلية.. ثم إلى كيفية أداء هذه العبادة السماوية خاصة قبل الهجرة النبوية فاعلم رحمك الله أنه في صبيحة ليلة المعراج نزل جبريل عليه السلام ليؤم الرسول الكريم في الصلوات الخمس الواجب أداؤها ويريه أوقاتها الاختيارية والضرورية كما هو مروي من حديث ابن عبـاس وأبي هريـرة وبُريدة وأبي موسى وابن مسعود وجابر بن عبد الله، وعمرو بن حزم والبراء وغيرهم رضي الله عنهم وكان ذلك عند البيت الحرام، وأمَّ به عليه الصلاة والسلام مرتين، مرة أول الوقت ومرة آخره ليعلمه بذلك الجهريـة والسرية منها، وإن بين الوقتين وقتا معلوما للصلاة المفروضة.
وأمَّا عن عدد ركعاتها حين فرضت فقد ذهبت السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وغيرها من الأئمة كالشعبي وميمون بن مهران ومحمد بن إسحاق.. إلى أنها فرضت أول ما فرضت ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر فأكملت أربعــا كالظهريـن والعشاءين وأقرت صلاة السفر على ركعتين. ومنهم من ذهب إلى أنها فرضت أربعا إلا المغرب، ففرضت ثلاثـا والصبح ركعتين والله أعلم. كذا ذكره ابن سيد الناس في عيون الأثر.

رجـب شهـر الله
إن شهر رجب شهر من الأربعة حرم التي ورد ذكرها في القرآن الكريم قال عزّ وجلّ:﴿ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها
أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين﴾(التوبة/ 36). وتبين السنّة المطهّرة هذه الأشهر الحرم: فعن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان».
فهذا مما كانت العرب في الجاهلية تحرمه، وهو الذي كان عليه جمهورهم. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: « ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» فإنما أضافه إلى مضر ليبين صحة قولهم في رجب أنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان لا كما تظنه ربيعة من أن رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال وهو رمضان.. فبيّن صلى الله عليه وسلم أنه رجب مضر لا رجب ربيعة. وإنما
كانت الأشهر المحرمة أربعة، ثلاثة سرد وواحد فرد لأجل أداء مناسك الحج والعمرة. فحرم أشهر الحج شهرا وهو ذو القعدة لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحرم بعده شهر آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنا.
ولهذا جعلهن الله حراما ونهى عن الظلم فيهن ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم ﴾ لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف لقوله تعالى ﴿ومن يرد فيه
بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾(الحج/25)…
نعم حرم الله سبحانه وتعالى الظلم على نفسه وجعله محرما بين عباده كما جاء في الحديث القدسي عن رب العزة جل جلاله في سائر الشهور ولكن اختص من ذلك أربعة أشهر فجعل الذنب فيهن أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم. لا تظلموا أنفسكم في هذه الأشهر الحرم التي يتصل تحريمها بناموس كوني تقوم عليه السماوات والأرض، ذلك الناموس هو أن الله هو المشرع للناس كما أنه هو المشرع للكون.. لا تظلموا أنفسكم بإحلال حرمتها التي أرادها الله لتكون فترة أمان وواحة سلام، فتخالفوا عن إرادة الله. وفي هذه المخالفة ظلم للأنفس بتعريضها لعذاب الله في الآخرة، وتعريضها للخوف والقلق في الأرض، حين تستحيل كلها جحيما حربية، لا هدنة فيها ولا سلام. ﴿ وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة ﴾(التوبة/ 36) ذلك في غير الأشهر الحرم ما لم يبدأ المشركون بالقتال فيتعين رد الاعتداء في تلك الأشهر لأن الكف عن القتال من جانب واحد يضعف القوة الخيرة المنوطة بها حفظ الحرمات ووقف القوة الشريرة المعتديـة، ويشيع الفساد في الأرض والفوضى في النواميس. فرد الاعتداء في هذه الحالة وسيلة لحفظ
الأشهر الحرم، فلا يعتدى عليها ولا تهان.
عزيزي القارئ. التفت عن يمينك وشمالك تجد الصهاينة يعدون كل يوم من أيام السنة لارتكاب مجازر رهيبة في صفوف إخواننا الفلسطينيين والمسلمون لا يحركون ساكنـا، ينتظـرون ” المؤتمر الدولي للسلام “.. وعلى حساب من يكون هذا السلام؟ لا يحركون ساكنا وإخوانهم يتقاتلون هنا وهناك ألم يأمرنا الإسلام الحنيف بالإصلاح بين الطائفتين المتنازعتين بالعدل والمساواة قال تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا
بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾(الحجرات/9)، لا يحركون ساكنا وإخوانهم يموتون جوعا هنا وهناك.. يتعاملون مع أعدائهم معاملة الولي الحميم، ينظرون إلى مقدساتهم قد انتهكت حرمتها وهم يبكون، ويتساءلون كيف دخل العدو قصرهم وقد فتحوا له كل الحصون… سبحان الله فهذه هي البلادة والحماقة بعينها. ألم يأن للمسلمين أن يقاتلوا المشركين كافة كما أمرهم الله تعالى بقولـه: ﴿ وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة ﴾(التوبة/36) يعني قاتلوهم جميعا بلا استثناء أحد منهم ولا جماعة، فهم يقاتلونكم
جميعا لا يستثنون منكم أحدا، ولا يبقون منكم على جماعة.

والمعركة في حقيقتها إنما هي معركة بين الشرك والتوحيد، وبين الكفر والإيمان وبين الهدى والضلال فليست معركة اقتصادية أو معركة قومية أو معركة وطنية، بل هي معركة العقيدة، وهذه لا تجدي فيها أصناف الحلول ولا تعالجها الاتفاقات والمناورات ولا علاج لها إلا بالجهاد والكفاح، ومن كان مع الله كان هو الغالب على كل حال والمنصور بلا جدال. فأين الغيرة الإسلامية؟ وهل بقي منها شيء في نفوسنا وقد أشربنا حب المادة والملذات؟ فيغضب أحدنا إذا انتهكت حرمة منزله ولا يغضب لغضب الله. فأين الإيمان؟ وما الإيمان إلا الحب في الله والبغض في الله.. وما الإيمان إلا بالجهاد المقدس… كيف كان رد فعل االرسول صلى الله عليه وسلم على اليهود عامة وعلى بني النضير خاصة في وقعة وقعت بعد غزوة أحد وقبل غزوة الأحزاب؟ أكان رده مظاهرات صامتة؟ أم إعراضا عن المشركين؟ كلا !! وإليك نبذة وجيزة عنها: كانت وقعة بني النضير في أوائل السنة الرابعة من الهجرة بعد غزوة أحد وقبل غزوة الأحزاب.. ومما يذكر عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب مع عشرة من كبار الصحابة منهم أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم إلى محلة بني النضير، يطلب منهم المشاركة في أداء دية قتيلين بحكم ما كان بينه وبينهم من عهد في أول مقدمه على المدينة. فاستقبله يهود بني النضير بالبشر والترحاب ووعدوا بأداء ما عليهم، بينما كانوا يدبرون أمرا لاغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه.

وكان صلى الله عليه وسلم جالسا إلى جدار من بيوتهم. فقال بعضهم لبعض: ” إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه. فمن رجل منكم يعلو هذا البيت فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فقال: “أنا لذلك”. فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال. فأُلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُبيّت اليهود من غدر. فقام كأنما ليقضي أمرا. فلما غاب استبطأه من معه، فخرجوا من المحلة يسألون عنه، فعلموا أنه دخل المدينة. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحرب بني النضير لظهور الخيانة منهم ونقض عهد الأمان الذي بينه وبينهم… فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر محلة بني النضير، وأمهلهم ثلاثة أيام وقيل عشرة ليفارقوا جواره ويجلوا عن المحلة على أن يأخذوا أموالهم، ويقيموا وكلاء عنهم على بساتينهم ومزارعهم. ولكن المنافقين في المدينة وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق، أرسلوا إليهم يحرضونهم على الرفض والمقاومة وقالوا لهم:” أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم “. فتحصن اليهود في الحصون، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع نخيلهم والتحريق فيها..

ولما بلغ الحصار ستا وعشرين ليلة يئس اليهود من صدق وعد المنافقين لهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب فصاروا “يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين “. فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل فكان الرجل منهم يهدم بيته عن خشبة بابه فيحمله على ظهر بعيره أو يخرجه حتى لا يقع في أيدي المسلمين..
وفي هذا يقول الله تعالى في سورة الحشر (الآيات/ 2-5 ): ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار. ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار. ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن
يشاق الله فإن الله شديد العقاب. ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ﴾. وكان منهم من سار إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام. وكانت أموال بني النضير فيئا خالصا لله والرسول، لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المهاجرين خاصة دون الأنصار عدا رجلين من الأنصار فقيرين هما سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة وذلك أن المهاجرين لم يكن لهم مال بعد الذي تركوه في مكة وتجردوا منه كله لعقيدتهم، وكان الأنصار قد أنزلوهم دورهم وشاركوهم مالهم في أريحية عالية وأخوة فائقة وإيثار عجيب. فلما واتت هذه الفرصة سارع رسول الله صلى الله عليه وسلم لإقامة الأوضاع الطبيعية في المجتمع الإسلامي كي يكون للفقراء مال خاص وكي لا يكون المال متداولا في الأغنياء وحدهم. وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم والراجح أنهم من المنافقين فأنزل الله تعالى ليحسم الموقف ولينهي الخلاف: ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير ﴾(الحشر/ 06).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة ». فقالت الأنصار: «بل نقسم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها ».
وفي هذا نزل قوله تعالى: ﴿ للفقراء المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون. والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾(الحشر/ 8-9).
وهل كان رد المسلمين على اعتداء الصهاينة ومن هو على شاكلتهم على هذا النحو وعلى هذه المنهجية النبوية؟؟ وما اعتدوا علينا إلا بعد أن اعتدينا بأنفسنا على عقيدتنا ومقدساتنا فاضمحلت قوانا وتلاشت صفوفنا وأصبحنا كثرة أذلة لا قلة قوية، غثاء كغثاء السيل ولا حول ولا قوة إلا بالله.